اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي : لقضاء ربِّك، والحكم هنا القضاء.
وقيل : اصبر على ما حكم به عليك ربُّك من تبليغ الرسالةِ.
وقال ابنُ بَحْرٍ : فاصبر لنصر ربك.
وقيل : منسوخ بآية السيف ﴿وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ يعني يونس - عليه السلام - أي : لا تكن مثله في الغضب، والضجر، والعجلة.
وقال قتادة : إن الله تعالى يعزي نبيه ﷺ ويأمره بالصبر، ولا يعجل كما عجل يونس - عليه الصلاة والسلام -(١). وقد مضى الفرق بين «ذي » و «صاحب » في «يونس ».
قوله :﴿إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾.
«إذْ » منصوب بمضاف محذوف، أي : ولا يكن حالك كحاله، أو قصتك كقصته في وقت ندائه، ويدل على المحذوف أن الذوات لا ينصبُّ عليها النهي على أحوالها، وصفاتها.
وقوله :﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. جملة حالية من الضمير في «نَادَى ».
والمكظوم : الممتلئ حزناً وغيظاً، ومنه كظم السقاء إذا ملأه.
قال ذو الرمة :[ البسيط ]
٤٨٣٦ - وأنْتَ مِنْ حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حَزَناًعَانِي الفُؤادِ قَريحُ القَلْبِ مَكْظُومُ(٢)

فصل في دعاء يونس


«إذْ نَادَى »، أي : حين دعا من بطن الحوتِ، فقال :﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾[الأنبياء: ٨٧].
قال القرطبي(٣) : ومعنى ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي : مملوء غمًّا.
وقيل : كرباً، فالأول قول ابن عباس ومجاهد(٤)، والثاني : قول عطاء وأبي مالك، قال الماورديُّ : والفرق بينهما أن الغمَّ في القلب، والكرب في الأنفاس.
وقيل :«مَكْظُومٌ » محبوس، والكظم : الحبس ومنه قولهم : كَظَمَ غَيْظَهُ، أي : حبس غضبه، قاله ابن بحر.
وقيل :«إنه المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس، قاله المُبرِّدُ ».
والمعنى : لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر، والمغاضبة، فتبتلى ببلائه.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٠٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٠٢) وعزاه إلى عبد الرزاق وأحمد في "الزهد" وابن المنذر..
٢ ينظر البحر ٨/٣١١، وفتح القدير ٥/٢٧٧، والدر المصون ٦/٣٥٨، وروح المعاني ٢٩/٤٥..
٣ ينظر الجامع لأحكام القرآن ١٨/١٦٥..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٠٢) عن ابن عباس ومجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٠٢) عن ابن عباس وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
وذكره عن مجاهد وعزاه إلى عبد بن حميد..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى