تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ اقتربت بمعنى قربت، لكن العلماء يقولون : إن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى، وهنا اقتربت فيها زيادة المبنى على قربت، والزيادة : الهمزة والتاء، فيدل على أن القرب قريب جداً، فمعنى اقتربت أي قربت جداً، والساعة هي يوم القيامة، وقد قال الله تعالى فيها :﴿فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتةً فقد جاء أشراطها﴾ أي : علاماتها، ومن علاماتها بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام وكونه خاتم الأنبياء دليل على أنه قد قربت الساعة، ولهذا حقق النبي عليه الصلاة والسلام هذا بقوله :«بعثت أنا والساعة كهاتين » وقال بإصبعه الوسطى والسبابة، والسبابة قريبة من الوسطى ليس بينهما إلا جزء يسير مقدار الظفر، وهذا يدل على قربها، لكن مع ذلك كم بيننا وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ نحن في القرن الخامس عشر الهجري بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة، ومع ذلك مازالت الدنيا باقية مما يدل على أن ما مضى طويل جداً، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم عند غروب الشمس قال :«إنه لم يبق من الدنيا - يعني بالنسبة لمن سبقكم - إلا كما بقي من يومكم هذا » ، ﴿وانشق القمر﴾ كأن الله أشار إلى أن هذا من أشراط الساعة، ﴿وانشق القمر﴾ والمعنى أنه صار فرقتين تميز بعضهما عن بعض، أحدهماعلى جبل أبي قبيس، والثانية على جبل قعيقعان يعني فلقة على الصفا وفلقة على المروة، والمسافة السماوية في رؤيا العين ما بين الصفا والمروة بعيدة جداً، قد تستغرق سنوات، انشق القمر بلحظة بأمر الله - عز وجل - وتباعدت أجزاؤه بلحظة، لأن قريشاً كانوا يتحدون الرسول عليه الصلاة والسلام ويطلبون منه الآيات، وقد قال الله ردًّا عليهم :﴿قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾ لكن لم يكفهم، لأنهم معاندون لا يريدون الحق، أتوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قالوا : يا محمد أنت تقول إنك رسول، وإنك يأتيك الخبر من السماء وكذا وكذا فأرنا آية، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى القمر ودعا ربه فانفلق فرقتين بلحظة، ومن يفلق هذا الجسم العظيم الأفقي العالي إلا رب العالمين - عز وجل - ؟ ! أراهم إياه، ولكن لم ينفعهم، وقالوا : سحرنا محمد، وبعضهم قال : سحر القمر، وأنكروا، فقال بعضهم لبعض : اسألوا المسافرين إذا قدموا هل رأوه أم لا ؟ فصاروا يسألون المسافرين من كل وجه : هل رأوه أم لا ؟ فيقولون : نعم، رأيناه في الليلة الفلانية كذا وكذا، وهذا بالنسبة للقريبين منهم كأهل الجزيرة مثلاً، أما البعيدون فقد لا يرونه، وكما نعلم الآن أن الليل هنا يكون نهاراً في مكان آخر، أو لوجود غيوم وضباب كثير يمنع الرؤيا ؛ ولهذا لا يمكن أبداً لأي عاقل أن ينكر انشقاق القمر انشقاقاً حسيًّا، لأنه لم يذكر في تاريخ اليونان، ولم يذكر في تاريخ الهند ولم يذكر في كذا وكذا، هذا ليس حجة يبطل به ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من أن القمر انشق فعلاً انشقاقاً حسيًّا، ونحن نؤمن بأن القادر على أن يطوي السماوات بيمينه كطي السجل للكتب، قادر على أن يفرق القمر فرقتين، ولا شيء يعجزه، ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأَرض إنه كان عليماً قديراً﴾ ولهذا لا وجه لإنكار من أنكر ذلك ممن ينتسبون إلى الإسلام، ويقولون : إن الأفلاك السماوية لا يمكن أن تتغير، نقول : الله أكبر، مَن الذي خلق الأفلاك السماوية أليس الله ؟ بلى، إذن هو قادر على أن يغيرها ﴿إنما أمره إذآ أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾، فانشقاق القمر انشقاق حسي، انفلق فرقتين، ورآه الناس وشاهدوه، ولكن المكابر المعاند لا يقبل شيئاً، ولهذا قال :﴿وإن يروا آيةً يعرضوا﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى