البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ومناسبة أول السورة لآخر ما قبلها ظاهرة، قال :﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ قال :﴿اقتربت الساعة﴾.
وممن عاين انشقاق القمر ابن مسعود جبير بن مطعم، وأخبر به ابن عمر وأنس وحذيفة وابن عباس.
وحين أرى الله الناس انشقاق القمر، قال الرسول ﷺ :«اشهدوا »، وقال المشركون إذ ذاك : سحرنا محمد.
وقال بعضهم : سحر القمر.
والأمة مجمعة على خلاف من زعم أن قوله :﴿وانشق القمر﴾ معناه : أنه ينشق يوم القيامة،
ويرده من الآية قوله :﴿وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾.
فلا يناسب هذا الكلام أن يأتي إلا بعد ظهور ما سألوه معيناً من انشقاق القمر.
وقيل : سألوا آية في الجملة، فأراهم هذه الآية السماوية، وهي من أعظم الآيات، وذلك التأثير في العالم العلوي.
وقرأ حذيفة : وقد انشق القمر، أي اقتربت، وتقدم من آيات اقترابها انشقاق القمر، كما تقول : أقبل الأمير وقد جاء المبشر بقدومه.
وخطب حذيفة بالمدائن، ثم قال : ألا إن الساعة قد اقتربت، وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم، ولا التفات إلى قول الحسن أن المعنى : إذ جاءت الساعة انشق القمر بعد النفخة الثانية، ولا إلى قول من قال : إن انشقاقه عبارة عن انشقاق الظلمة عند طلوعه في أثنائها، فالمعنى : ظهر الأمر، فإن العرب تضرب بالقمر مثلاً فيما وضح، كما يسمى الصبح فلقاً عند انفلاق الظلمة عنه، وقد يعبر عن الانفلاق بالانشقاق.
قال النابغة :
فلما أدبروا ولهم دويّدعانا عند شق الصبح داعي
وهذه أقوال فاسدة، ولولا أن المفسرين ذكروها، لأضربت عن ذكرها صفحاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى