جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَمّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمّةً مّنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتّىَ يُصْدِرَ الرّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : ولَمّا وَرَدَ موسى مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمّةً يعني جماعة مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ نَعَمهم ومواشيهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمّةً مِنَ النّاسِ يَسْقونَ يقول : كثرة من الناس يسقون.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله أُمّةً مِنَ النّاسِ قال : أناسا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : وقع إلى أمة من الناس يسقون بمدين أهل نَعَم وشاء.
حدثنا عليّ بن موسى وابن بشّار، قالا : حدثنا أبو داود، قال : أخبرنا عمران القطان، قال : حدثنا أبو حمزة عن ابن عباس، في قوله : وَلمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ قال عليّ بن موسى : قال : مثل ماء جوبكم هذا، يعني المحدثة. وقال ابن بشار : مثل محدثتكم هذه، يعني جوابكم هذا.
وقوله : وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرأتَيْنِ تَذُودَانِ يقول : ووجد من دون أمة الناس الذين هم على الماء، امرأتين تذودان، يعني بقوله : تَذُودَان تَحبِسان غنمهما يقال منه : ذاد فلان غنمه وماشيته : إذا أراد شيء من ذلك يَشِذّ ويذهب، فردّه ومنعه يذودها ذَوْدا. وقال بعض أهل العربية من الكوفيين : لا يجوز أن يقال : ذدت الرجل بمعنى : حبسته، إنما يقال ذلك للغنم والإبل. وقد رُوي عن النبيّ ﷺ :«إني لبِعُقْرِ حَوْضِي أذُودُ النّاسَ عَنْهُ بَعَصَايَ » فقد جعل الذّود ﷺ في الناس ومن الذّود قول سُوَيد بن كُراع :
وقول الآخر :
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : تَذُودانِ يقول : تحبسان.
حدثني العباس، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا الأصبغ، قال : حدثنا القاسم، قال : ثني سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس وَوَجَدَ مِنْ دونِهِمُ امْرأتَيْنِ تَذُودانِ يعني بذلك أنهما حابستان.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جُبَير، في قوله : امْرأتَيْنِ تَذُودَانِ قال : حابستين.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ وَوَجَدَ مِنْ دونِهِمْ امْرأتَيْنِ تَذُودَانِ يقول : تحبِسان غنمهما.
واختلف أهل التأويل في الذي كانت عنه تذود هاتان المرأتان، فقال بعضهم : كانتا تذودان غنمهما عن الماء، حتى يَصْدُر عنه مواشي الناس، ثم تسقيان ماشيتهما لضعفهما. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عن أبي مالك قوله : امْرأتَيْنِ تَذُودانِ قال : تحبسان غنمهما عن الناس حتى يفرغوا وتخلو لهما البئر.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرأتَيْنِ يعني دون القوم تذودان غنمهما عن الماء، وهو ماء مدين.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : تذودان الناس عن غنمهما. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة وَلَما وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرأتَيْنِ تَذُودانِ قال : أي حابستين شاءهما تذودان الناس عن شأنهما.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أصحابه تَذُودانِ قال : تذودان الناس عن غنمهما.
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول من قال معناه : تحبسان غنمهما عن الناس حتى يفرغوا من سقي مواشيهم.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لدلالة قوله : ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقي حتى يُصْدِرَ الرّعاءُ على أن ذلك كذلك، وذلك أنهما شكتا أنهما لا تسقيان حتى يصدر الرعاء، إذ سألهما موسى عن ذَوْدِهما، ولو كانتا تذودان عن غنمهما الناس، كان لا شكّ أنهما كانتا تخبران عن سبب ذودهما عنها الناس، لا عن سبب تأخر سقيهما إلى أن يُصْدِر الرعاء.
وقوله : قالَ ما خَطْبُكُما يقول تعالى ذكره : قال موسى للمرأتين ما شأنكما وأمركما تذودان ماشيتكما عن الناس، هلا تسقونها مع مواشي الناس والعرب، تقول للرجل : ما خَطْبُك : بمعنى ما أمرك وحالك، كما قال الراجز :
*** يا عَجَبا ما خَطْبُهُ وَخَطْبي ***
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا العباس، قال : حدثنا يزيد، قال : أخبرنا الأصبغ، قال : أخبرنا القاسم، قال : ثني سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، قال : قال لهما : ما خطْبُكُما معتزلتين لا تسقيان مع الناس ؟.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : وجد لهما رحمة، ودخلته فيهما خشية، لما رأى من ضعفهما، وغَلَبةِ الناس على الماء دونهما، فقال لهما : ما خطبكما : أي ما شأنكما ؟.
وقوله : قالَتا لا نَسْقي حتى يُصْدِرَ الرّعاءُ يقول جلّ ثناؤه : قالت المرأتان لموسى : لا نسقي ماشيتنا حتى يصدر الرعاء مواشِيَهم، لأنا لا نطيق أن نسقي، وإنما نسقي مواشينا ما أفضلَتْ مواشي الرعاء في الحوض، والرّعاء : جمع راع، والراعي جمعه رعاء ورُعاة ورعيان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني العباس، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا الأصبغ، قال : حدثنا القاسم، قال : ثني سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال : لما قال موسى للمرأتين : ما خَطْبُكُما ؟ قالَتا لا نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ : أي لا نستطيع أن نسقي حتى يسقي الناس، ثم نَتّبع فضلاتهم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُريج، قوله : حتى يُصْدِرَ الرّعاءُ قال : تنتظران تسقيان من فضول ما في الحياض حياض الرعاء.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قالَتا لا نَسْقِي حتى يُصْدرَ الرّعاءُ امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يقدر أن يمسّ ذلك من نفسه، ولا يسِقي ماشيته، فنحن ننتظر الناس حتى إذا فرغوا أسقينا ثم انصرفنا.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : حتى يُصْدِرَ الرّعاءُ فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز سوى أبي جعفر القارئ وعامة قرّاء العراق سوى أبي عمرو : يُصْدِر الرّعاءُ بضم الياء، وقرأ ذلك أبو جعفر وأبو عمرو بفتح الياء من يصدر الرعاء عن الحوض. وأما الآخرون فإنهم ضموا الياء، بمعنى : أصدر الرعاءُ مواشيهم، وهما عندي قراءتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.
وقوله : وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ يقولان : لا يستطيع من الكبر والضعف أن يسقَى ماشيته.
وقوله : فَسَقى لَهُما ذُكِرَ أنه عليه السلام فتح لهما عن رأس بئر كان عليها حَجَر لا يطيق رفعه إلا جماعة من الناس، ثم استسقى فسقى لهما ماشيتهما منه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : فتح لهما عن بئر حجرا على فيها، فسقى لهما منها.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج بنحوه، وزاد فيه : قال ابن جريج : حجرا كان لا يطيقه إلاّ عشرة رَهْط.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الحجّاج، عن الحكم، عن شريح، قال : انتهى إلى حجر لا يرفعه إلا عشرة رجال، فرفعه وحده.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : رحمهما موسى حين قالَتا لا نَسْقي حتى يُصْدِرَ الرّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ فأتى إلى البئر فاقتلع صخرة على البئر كان النفر من أهل مَدْيَنَ يجتمعون عليها، حتى يرفعوها، فسقى لهما موسى دلوا فأروتا غنمهما، فرجعتا سريعا، وكانتا إنما تسقيان من فُضول الحياض.
حدثني العباس، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا الأصبغ، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس فَسَقَى لَهُما فجعل يغرف في الدلو ماء كثيرا حتى كانت أوّل الرعاء رِيا، فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قال : تصدّق عليهما نبيّ الله ﷺ، فسقى لهما، فلم يلبث أن أروى غنمهما.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : أخذ دلوهُما موسى، ثم تقدّم إلى السقاء بفضل قوّته، فزاحم القوم على الماء حتى أخّرهم عنه، ثم سقى لهما.
يقول تعالى ذكره : ولَمّا وَرَدَ موسى مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمّةً يعني جماعة مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ نَعَمهم ومواشيهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمّةً مِنَ النّاسِ يَسْقونَ يقول : كثرة من الناس يسقون.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله أُمّةً مِنَ النّاسِ قال : أناسا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : وقع إلى أمة من الناس يسقون بمدين أهل نَعَم وشاء.
حدثنا عليّ بن موسى وابن بشّار، قالا : حدثنا أبو داود، قال : أخبرنا عمران القطان، قال : حدثنا أبو حمزة عن ابن عباس، في قوله : وَلمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ قال عليّ بن موسى : قال : مثل ماء جوبكم هذا، يعني المحدثة. وقال ابن بشار : مثل محدثتكم هذه، يعني جوابكم هذا.
وقوله : وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرأتَيْنِ تَذُودَانِ يقول : ووجد من دون أمة الناس الذين هم على الماء، امرأتين تذودان، يعني بقوله : تَذُودَان تَحبِسان غنمهما يقال منه : ذاد فلان غنمه وماشيته : إذا أراد شيء من ذلك يَشِذّ ويذهب، فردّه ومنعه يذودها ذَوْدا. وقال بعض أهل العربية من الكوفيين : لا يجوز أن يقال : ذدت الرجل بمعنى : حبسته، إنما يقال ذلك للغنم والإبل. وقد رُوي عن النبيّ ﷺ :«إني لبِعُقْرِ حَوْضِي أذُودُ النّاسَ عَنْهُ بَعَصَايَ » فقد جعل الذّود ﷺ في الناس ومن الذّود قول سُوَيد بن كُراع :
| أبِيتُ عَلى بابِ القَوَافِي كأنّمَا | أذُودُ بِها سِرْبا مِنَ الوَحْشِ نُزّعا |
| وَقَدْ سَلَبَتْ عَصَاكَ بَنُو تَمِيمٍ | فَمَا تَدْرِي بأيّ عَصا تَذُودُ |
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : تَذُودانِ يقول : تحبسان.
حدثني العباس، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا الأصبغ، قال : حدثنا القاسم، قال : ثني سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس وَوَجَدَ مِنْ دونِهِمُ امْرأتَيْنِ تَذُودانِ يعني بذلك أنهما حابستان.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جُبَير، في قوله : امْرأتَيْنِ تَذُودَانِ قال : حابستين.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ وَوَجَدَ مِنْ دونِهِمْ امْرأتَيْنِ تَذُودَانِ يقول : تحبِسان غنمهما.
واختلف أهل التأويل في الذي كانت عنه تذود هاتان المرأتان، فقال بعضهم : كانتا تذودان غنمهما عن الماء، حتى يَصْدُر عنه مواشي الناس، ثم تسقيان ماشيتهما لضعفهما. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عن أبي مالك قوله : امْرأتَيْنِ تَذُودانِ قال : تحبسان غنمهما عن الناس حتى يفرغوا وتخلو لهما البئر.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرأتَيْنِ يعني دون القوم تذودان غنمهما عن الماء، وهو ماء مدين.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : تذودان الناس عن غنمهما. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة وَلَما وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرأتَيْنِ تَذُودانِ قال : أي حابستين شاءهما تذودان الناس عن شأنهما.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أصحابه تَذُودانِ قال : تذودان الناس عن غنمهما.
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول من قال معناه : تحبسان غنمهما عن الناس حتى يفرغوا من سقي مواشيهم.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لدلالة قوله : ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقي حتى يُصْدِرَ الرّعاءُ على أن ذلك كذلك، وذلك أنهما شكتا أنهما لا تسقيان حتى يصدر الرعاء، إذ سألهما موسى عن ذَوْدِهما، ولو كانتا تذودان عن غنمهما الناس، كان لا شكّ أنهما كانتا تخبران عن سبب ذودهما عنها الناس، لا عن سبب تأخر سقيهما إلى أن يُصْدِر الرعاء.
وقوله : قالَ ما خَطْبُكُما يقول تعالى ذكره : قال موسى للمرأتين ما شأنكما وأمركما تذودان ماشيتكما عن الناس، هلا تسقونها مع مواشي الناس والعرب، تقول للرجل : ما خَطْبُك : بمعنى ما أمرك وحالك، كما قال الراجز :
*** يا عَجَبا ما خَطْبُهُ وَخَطْبي ***
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا العباس، قال : حدثنا يزيد، قال : أخبرنا الأصبغ، قال : أخبرنا القاسم، قال : ثني سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، قال : قال لهما : ما خطْبُكُما معتزلتين لا تسقيان مع الناس ؟.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : وجد لهما رحمة، ودخلته فيهما خشية، لما رأى من ضعفهما، وغَلَبةِ الناس على الماء دونهما، فقال لهما : ما خطبكما : أي ما شأنكما ؟.
وقوله : قالَتا لا نَسْقي حتى يُصْدِرَ الرّعاءُ يقول جلّ ثناؤه : قالت المرأتان لموسى : لا نسقي ماشيتنا حتى يصدر الرعاء مواشِيَهم، لأنا لا نطيق أن نسقي، وإنما نسقي مواشينا ما أفضلَتْ مواشي الرعاء في الحوض، والرّعاء : جمع راع، والراعي جمعه رعاء ورُعاة ورعيان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني العباس، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا الأصبغ، قال : حدثنا القاسم، قال : ثني سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال : لما قال موسى للمرأتين : ما خَطْبُكُما ؟ قالَتا لا نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ : أي لا نستطيع أن نسقي حتى يسقي الناس، ثم نَتّبع فضلاتهم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُريج، قوله : حتى يُصْدِرَ الرّعاءُ قال : تنتظران تسقيان من فضول ما في الحياض حياض الرعاء.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قالَتا لا نَسْقِي حتى يُصْدرَ الرّعاءُ امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يقدر أن يمسّ ذلك من نفسه، ولا يسِقي ماشيته، فنحن ننتظر الناس حتى إذا فرغوا أسقينا ثم انصرفنا.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : حتى يُصْدِرَ الرّعاءُ فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز سوى أبي جعفر القارئ وعامة قرّاء العراق سوى أبي عمرو : يُصْدِر الرّعاءُ بضم الياء، وقرأ ذلك أبو جعفر وأبو عمرو بفتح الياء من يصدر الرعاء عن الحوض. وأما الآخرون فإنهم ضموا الياء، بمعنى : أصدر الرعاءُ مواشيهم، وهما عندي قراءتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.
وقوله : وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ يقولان : لا يستطيع من الكبر والضعف أن يسقَى ماشيته.
وقوله : فَسَقى لَهُما ذُكِرَ أنه عليه السلام فتح لهما عن رأس بئر كان عليها حَجَر لا يطيق رفعه إلا جماعة من الناس، ثم استسقى فسقى لهما ماشيتهما منه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : فتح لهما عن بئر حجرا على فيها، فسقى لهما منها.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج بنحوه، وزاد فيه : قال ابن جريج : حجرا كان لا يطيقه إلاّ عشرة رَهْط.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الحجّاج، عن الحكم، عن شريح، قال : انتهى إلى حجر لا يرفعه إلا عشرة رجال، فرفعه وحده.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : رحمهما موسى حين قالَتا لا نَسْقي حتى يُصْدِرَ الرّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ فأتى إلى البئر فاقتلع صخرة على البئر كان النفر من أهل مَدْيَنَ يجتمعون عليها، حتى يرفعوها، فسقى لهما موسى دلوا فأروتا غنمهما، فرجعتا سريعا، وكانتا إنما تسقيان من فُضول الحياض.
حدثني العباس، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا الأصبغ، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس فَسَقَى لَهُما فجعل يغرف في الدلو ماء كثيرا حتى كانت أوّل الرعاء رِيا، فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قال : تصدّق عليهما نبيّ الله ﷺ، فسقى لهما، فلم يلبث أن أروى غنمهما.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : أخذ دلوهُما موسى، ثم تقدّم إلى السقاء بفضل قوّته، فزاحم القوم على الماء حتى أخّرهم عنه، ثم سقى لهما.