لطائف الإشارات — القشيري

عن الكتاب
أخفى تعيين قَدَم موسى على الظنون بهذا الخطاب حيث قال :" من شاطئ الواد الأيمن "، ثم قال :" في البقعة المباركة " ثم قال " من الشجرة ".
وأخْلِقْ بأن تكون تلك البقعة مباركة، فعندها سَمِعَ خطابَ مولاه بلا واسطة ؛ وأعِزُّ الأماكنِ في العالمِ مَشْهَدُ الأحباب :
وإني لأهوى الدارَ ما يستعزنيلها الود إلا أنها من دياركا
ويقال كم قَدَمٍ وَطَئَتْ لك البقعة، ولكن لم يسمع أصحابُها بها شيئاً !. . وكم ليلةٍ جَنَّت تلك البقعة ولم يظهر من تلك النار فيها شعلة !.
ويقال : شتَّان بين شجرة وشجرة ؛ شجرة آدم عندها ظهور محنتِه وفتنتِه، وشجرة موسى وعندها افتتاح نُبُوَّتِه ورسالتِه !.
ويقال : لم يأتِ بالتفصيل نوعُ تلك الشجرة، ولا يُدْرَى ما الذي كانت تثمره، بل هي شجرة الوصلة ؛ وثمرتها القربة، وأصلُها في أرض المحبة وفَرْعُها باسِقٌ في سماء الصفوة، وأوراقها الزلفة، وأزهارها تَنْفَتِقُ عن نسيم الرَّوْح والبهجة :
فلمَّا سمع موسى تغيَّر عليه الحال ؛ ففي القصة : أنه غُشِي عليه، وأرسل اللَّهُ إليه الملائكة لِيُرِّوحوه بمراوح الأُنْس، وهذا كان في ابتداء الأمر، والمبتدئ مرفوقٌ به. وفي المرة الأخرى خرَّ موسى صَعِقاً، وكان يفيق والملائكة تقوله له : يا ابن الحيض. أمثلك مَنْ يسأل الرؤية ؟ !.
وكذا الحديث والقصة ؛ في البداية لُطْفٌ وفي النهاية عُنْفٌ، في الأولِ خَتْل وفي الآخرِ قَتْل، كما قيل :
فلمَّا دارت الصهباءُدعا بالنَّطع والسيفِ
كذا مَنْ يشرب الراحمع التِّنِّين في الصيفِ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى