الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ فخرجت كأنّها مصباح ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ قرأ حفص بفتح الراء وجزم ( الهاء )، وقرأ أهل الكوفة والشام بضمّ ( الراء ) وجزم ( الهاء )، غيرهم بفتح ( الراء ) و ( الهاء )، دليلهم قوله سبحانه :
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [الأنبياء: ٩٠] وكلّها لغات بمعنى الخوف والفَرَق.
ومعنى الآية إذا هالك أمر يدك وما ترى من شعاعها، فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، وقال بعضهم : أمره الله سبحانه وتعالى أن يضم يده إلى صدره ليذهب الله عز وجل ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقيل : معناه سكّنْ روعك واخفض عليك جأشك لأنّ من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، وضم الجناح هو السكون، ومثله قوله سبحانه ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] يريد الرفق، وقوله سبحانه :﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] أي ارفق بهم وألن جانبك لهم، وقال الفرّاء : أراد بالجناح عصاه.
وقال بعض أهل المعاني : الرهب، الكُم بلغة حمير وبني حنيفة، وحُكي عن الأصمعي أنّه سمع بعض الأعراب يقول لآخر : عطني ما في رهبك، قال : فسألته عن الرهب ؟ فقال : الكُم، ومعناه على هذا التأويل : اضمم إليك يدك وأخرجها من الكُم ؛ لأنّه تناول العصا ويده في كُمّه.
﴿فَذَانِكَ﴾ قراءة العامة بتخفيف ( النون )، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد ( النون ) وهي لغة قريش، وفي وجهها أربعة أقوال : قيل : شدّد النون عوضاً من ( الألف ) الساقطة ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين لأنّ أصله ﴿فَذَانِكَ﴾ فحذفت الألف الأُولى لالتقاء الساكنين.
وقيل : التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. وقيل : شُدّدت فرقاً بينها وبين التي تسقط للإضافة ؛ لأنّ ذان لا تضاف. وقيل : للفرق بين تثنية الاسم المتمكن وبينها. قال أبو عبيد : وكان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد دون كلّ تثنية في القرآن، وأحسبه فعل ذلك لقلة الحروف في الاسم، فقرأه بالتثقيل.
ومعنى الآية ﴿فَذَانِكَ﴾ يعني العصا واليد البيضاء ﴿بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى