المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ثم أمره أن يدخل يده في جيبه وهو فتح الجبة من حيث يخرج رأس الإنسان، وروي أن كم الجبة كان في غاية الضيق فلم يكن له جيب تدخل يده إلا في جيبه، و «سلك » معناه أدخل ومنه قول الشاعر :[ البسيط ]
حتى سلكن الشوا منهن في مسك. . . من نسل جوابة الآفاق مهداج(١)
وقوله تعالى :﴿من غير سوء﴾ أي من غير برص ولا مثلة.
وروي أن يده كانت تضيء كأنها قطعة شمس، وقوله تعالى :﴿واضمم إليك جناحك من الرهب﴾ ذهب مجاهد وابن زيد إلى أن ذلك حقيقة، أمره بضم عضده وذراعه وهو الجناح إلى جنبه ليخف بذلك فزعه، ومن شأن الإنسان إذا فعل ذلك في أوقات فزعه أن يقوى قلبه، وذهبت فرقة إلى أن ذلك على المجاز والاستعارة وأنه أمره بالعزم على ما أمر به وأنه كما تقول العرب اشدد حيازيمك واربط جأشك، أي شمر في أمرك ودع الرهب، وذلك لما كثر تخوفه في غير ما موطن قاله أبو علي، وقوله تعالى ﴿فذانك برهانان﴾ قال مجاهد والسدي : هي إشارة إلى العصا واليد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والناس «الرَّهَب » بفتح الراء والهاء، وقرأ عاصم وقتادة «الرهْب » بسكون الهاء، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم أيضاً «الرُّهْب » بضم الراء وسكون الهاء، وقرأ الجحدري «الرُّهُب » بضم الراء والهاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «فذانّك » بشد النون، وقرأ الباقون «فذانك » بتخفيف النون، وقرأ شبل عن ابن كثير «فذانيك » بياء بعد النون المخففة، أبدل إحدى النونين ياء كراهة التضعيف، وقرأ ابن مسعود «فذانيك » بالياء أيضاً مع شد النون وهي لغة هذيل، وحكى المهدوي أن لغتهم تخفيف النون، و ﴿برهانان﴾، حجتان ومعجزتان، وباقي الآية بين.
١ البيت لأبي وجزة السعدي، وهو في (اللسان-مسك-و­هدج­)، مع بيت قبله، قالهما أبو وجزة في وصف حمر الوحش:
مازلن ينسبن وهنا كل صادقة باتت تباشر ُعْرما غير أزواج
حتى سلكن الشوى منهن في مسك من نسل جوابة الآفاق مهداج
يصف الحمر حين أتت ليلا فأثارت القطا، فصاحت: قطا قطا، جعلها صادقة لأنها خبرت باسمها، كما يقال: أصدق من القطا، وقوله: تباشر عرما، عنى به بيضها، والأعرم: الذي فيه نقط بياض ونقط سواد، وكذلك بيض القطا، وقوله: غير أزواج: يريد أن بيض القطا يكون أفرادا ولا يكون أزواجا، والشوى: قوائم الحمر الوحشية، والمسك هنا: الماء الذي سارت فيه الأتن ووضعت قوائمها فيه فصار حولها كالمسك وهو السوار، قال صاحب اللسان: استعاره أبو وجزة فجعل ما تخل فيه الأتن قوائمها من الماء مسكا، وقوله: جوابة الآفاق: يريد الريح، ويقول: إن الماء من نسلها، لأن الريح تستدر السحاب وتلقحه فيمطر، فالماء من نسلها، والمهداج: التي لها صوت وحنين، فهي ريح سريعة الحركة في الآفاق، وهي ريح لها صوت وحنين، والشاهد هنا أن (سلكن) في البيت بمعنى: ادخلن، يعني أن الأتن أدخلن قوائمهن في الماء الذي صار حولها كالسوار. .

تفسير هذه الآية من كتب أخرى