غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
ثم ذكر أوسط أمر موسى وأشرف أحواله وبين أنه لم يكن هناك فقال ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾ الأظهر أنه يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه. وعن بعض المفسرين أنه أراد قوله ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها﴾ [الأعراف: ١٥٦] إلى قوله ﴿المفلحون﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقال ابن عباس : إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم يا أمة محمد أجيبكم قبل أن تدعوني وأعطيكم قبل أن تسألوني وأغفر لكم قبل أن تستغفروني. قال : وإنما قال الله تعالى ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه. وقال وهب : لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد ﷺ قال : يا رب أرنيهم. قال : إنك لن تدركهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم. قال : بلى يا رب. فقال : يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فقال سبحانه : أجبتكم قبل أن تدعوني الحديث كما ذكر ابن عباس. وروى سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال في قوله ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾ قال :" كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم نادى يا أمة محمد : إن رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أدخله الجنة " قوله ﴿ولكن رحمة﴾ أي ولكنا علمناك ﴿رحمة من ربك﴾ ثم فسر الرحمة بقوله ﴿لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك﴾ أي في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة. وقيل : كانت حجة الأنبياء قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجدد تلك الحجة عليهم، فبعثه الله تعالى تقريراً لتلك التكاليف وإزالة لتلك الفترة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿ولقد آتينا موسى﴾ القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها ﴿لعلهم يتذكرون﴾ إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] ﴿وما كنت﴾ في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح ﴿إذ قضينا إلى موسى﴾ أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ [آل عمران: ٨١] وما كنت في عالم الشهادة ﴿ولكنا أنشأنا قروناً﴾ في عالم الشهادة ﴿فتطاول عليهم العمر﴾ فاحتجوا بالنفس وصفاتها ونسوا تلك العهود والمواثيق ﴿وما كنت﴾ مقيماً ﴿في أهل مدين﴾ كشعيب وموسى، إذ أخذت منهما الميثاق أن يؤمنا بك ﴿ولكنا كنا مرسلين﴾ للرسل الذين أخذنا الميثاق منهم. ولولا أن تصيبهم التقدير، ولولا أن مقتضى العناية الأزلية في حق هذه الأمة ودفع حجتهم علينا فإنا ناديناهم وهم في العدم فأسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم للإِجابة ﴿فلما جاءهم الحق﴾ يعني محمداً. وفي أن له رتبة أن يقول أنا الحق لفنائه عن نفسه بالكلية وبقائه بربه وكل من سواه فليس له أن يقول ذلك إلا بطريق المتابعة ﴿لولا أوتي مثل ما أوتي﴾ لو لم يكونوا محتجبين بكفرهم عن رؤية كماله لقالوا : لولا أوتي مثل ما أوتي محمد من مقام المحبة ومقام لي مع الله وقت ﴿بكتاب من عند الله هو أهدى منهما﴾ يعني الكتاب المشتمل على العلم اللدني فإنه أهدى إلى الحضرة من الكتب الموقوفة على السماع والمطالعة، ومن لم تكن له هذه الرتبة فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه كما قال ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم﴾ ﴿الذين آتيناهم﴾ حقيقة ﴿الكتاب﴾ في عالم الرواح ﴿من قبل﴾ نزوله في عالم الأشباح ﴿هم به يؤمنون﴾ في عالم الصورة ولهذا قالوا ﴿إنا كنا من قبله مسلمين﴾ ولذلك قال ﴿يؤتون أجرهم مرتين﴾ أي في العالمين ﴿بما صبروا﴾ على مخالفات الهوى وموافقات الشرع ﴿ويدرءون﴾ بالأعمال الصالحات ظلمة المعاصي، أو بحسنة الذكر صدأ حب الدنيا عن مرآة القلوب، أو بحسنة نفي ما سوى الله شرك الوجود المجازي ﴿ومما رزقناهم﴾ من الوجود المجازي ﴿ينفقون﴾ في طلب الوجود الحقيقي :﴿وإذا سمعوا اللغو﴾ وهو طلب ما سوى الله ﴿أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا﴾ في طلب الوجود الحقيقي ﴿ولكم أعمالكم﴾ في طلب الفاني ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ وذلك أن للقلب بابين : أحدهما إلى النفس والجسد وهو مفتوح أبدا، والآخر إلى الروح والحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده كل مفتاح كما قال ﴿أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد: ٢٤] وقال :
﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ [الفتح: ١] ﴿وهو أعلم بالمهتدين﴾ الذين أصابهم رشاش النور ﴿وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف﴾ بجذبات الألوهية من أرض الأنانية ﴿أو لم نمكن لهم حرماً آمناً﴾ في مقام الهوية ﴿يجبى إليه ثمرات﴾ حقائق ﴿كل شيء رزقاً﴾ من العلوم اللدنية ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ ذوق العلم اللدني ﴿لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً﴾ أي لم تسكن في قرى القلوب الفاسد استعدادها ﴿إلا قليلاً﴾ من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية في الأحايين ﴿وكنا نحن الوارثين﴾ بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد الاستعداد ﴿حتى يبعث في أمها﴾ أي روحها لأن القلب من متولدات الروح ﴿رسولاً﴾ من وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول والوصال كما أوحى إلى عيسى " تجوّع ترني تجرد تصل إلي " ﴿أغويناهم كما غوينا﴾ راعوا طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس ﴿فبما أغويتني﴾[الأعراف: ١٦] أي ﴿أغويناهم﴾ بتقديريك ﴿كما أغوينا﴾ بقضائك وهذا من خصوصية تكريم بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة ﴿ورأوا العذاب﴾ يعني ﴿لو كانوا يهتدون﴾ لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات والشهوات والله أعلم بالخفيات.
﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ [الفتح: ١] ﴿وهو أعلم بالمهتدين﴾ الذين أصابهم رشاش النور ﴿وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف﴾ بجذبات الألوهية من أرض الأنانية ﴿أو لم نمكن لهم حرماً آمناً﴾ في مقام الهوية ﴿يجبى إليه ثمرات﴾ حقائق ﴿كل شيء رزقاً﴾ من العلوم اللدنية ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ ذوق العلم اللدني ﴿لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً﴾ أي لم تسكن في قرى القلوب الفاسد استعدادها ﴿إلا قليلاً﴾ من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية في الأحايين ﴿وكنا نحن الوارثين﴾ بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد الاستعداد ﴿حتى يبعث في أمها﴾ أي روحها لأن القلب من متولدات الروح ﴿رسولاً﴾ من وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول والوصال كما أوحى إلى عيسى " تجوّع ترني تجرد تصل إلي " ﴿أغويناهم كما غوينا﴾ راعوا طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس ﴿فبما أغويتني﴾[الأعراف: ١٦] أي ﴿أغويناهم﴾ بتقديريك ﴿كما أغوينا﴾ بقضائك وهذا من خصوصية تكريم بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة ﴿ورأوا العذاب﴾ يعني ﴿لو كانوا يهتدون﴾ لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات والشهوات والله أعلم بالخفيات.