فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ أي من أهل قرية كانوا في خفض عيش ودعة ورخاء، فوقع منهم البطر، فأهلكوا. قال الزجاج : البطر الطغيان عند النعمة. قال عطاء : عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام. قال الزجاج والمازني : معنى ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ بطرت في معيشتها، فلما حذفت " في " تعدّى الفعل كقوله :﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وقال الفراء : هو منصوب على التفسير كما تقول : أبطرك مالك وبطرته، ونظيره عنده قوله تعالى :﴿إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] ونصب المعارف على التمييز غير جائز عند البصريين ؛ لأن معنى التفسير : أن تكون النكرة دالة على الجنس. وقيل : إن معيشتها منصوبة ببطرت على تضمينه معنى : جهلت ﴿فَتِلْكَ مساكنهم لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي لم يسكنها أحد بعدهم إلاّ زمناً قليلاً، كالذي يمرّ بها مسافراً فإنه يلبث فيها يوماً أو بعض يوم، أو لم يبق من يسكنها فيها إلاّ أياماً قليلة لشؤم ما وقع فيها من معاصيهم. وقيل : إن الاستثناء يرجع إلى المساكن، أي لم تسكن بعد هلاك أهلها إلاّ قليلاً من المساكن، وأكثرها خراب، كذا قال الفراء، وهو قول ضعيف ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين﴾ منهم لأنهم لم يتركوا وارثاً يرث منازلهم وأموالهم، ومحلّ جملة :﴿لَمْ تُسْكَن﴾ الرفع على أنها خبر ثان لاسم الإشارة، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظالمون﴾ قال : قال الله : لم نهلك قرية بإيمان، ولكنه أهلك القرى بظلم إذا ظلم أهلها، ولو كانت مكة آمنت لم يهلكوا مع من هلك، ولكنهم كذبوا، وظلموا فبذلك هلكوا. وأخرج مسلم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال :«يقول الله عزّ وجلّ : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني» الحديث بطوله. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عبد بن عبيد بن عمير قال :" يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا، وأعطش ما كانوا، وأعرى ما كانوا، فمن أطعم لله عزّ وجلّ أطعمه الله، ومن كسا لله عزّ وجلّ كساه الله، ومن سقى لله عزّ وجلّ سقاه الله، ومن كان في رضا الله كان الله على رضاه ". وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنباء﴾ قال : الحجج ﴿فَهُمْ لاَ يَتَسَاءلُونَ﴾ قال : بالأنساب. وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيح تعليم الاستخارة وكيفية صلاتها ودعائها، فلا نطول بذكره.