غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
ويحتمل أن يكون عاماً يشمل السرائر والظواهر كلها وهو المستأثر بالإلهية. و ﴿لا إله إلا هو﴾ تقرير لما قبله ﴿له الحمد في﴾ الدار ﴿الأولى﴾ على نعمه الفائضة على البر والفاجر ﴿و﴾ في الدار ﴿الآخرة﴾ كقولهم ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ [فاطر: ٣٤] ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ [يونس: ١٠] والتحميد هناك على وجه اللذة لا التكليف. قال أهل السنة : الثواب يستحق عند المعتزلة فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فلم ينعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم. والجواب ما ذكرناه أن تحميدهم يجري مجرى التنفس. قال القاضي : إنه يستحق الحمد من أهل النار أيضاً بما فعل بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والألطاف وسائر النعم، وأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله به عليه من أن يوجب الشكر. وقال في التفسير الكبير : فيه نظر، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا أن التوبة واجبة القبول وأن الشكر مما يوجب الثواب فلا بد أن يتوبوا ويشتغلوا بالشكر ليستحقوا الثواب ويتخلصوا من العقاب. ولقائل أن يقول : لا يلزم من وجوب قبول التوبة واستحقاق الجزاء على العمل في دار التكاليف أن يكون الأمر كذلك في غير دار التكاليف. ثم بين بقوله ﴿وله الحكم﴾ أن القضاء بين العباد مختص به فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده، ولا على الزوجة حكم زوجها، ولا على الابن حكم أبيه، ولا على الرعية حكم سلطانهم، ولا على الأمة حكم رسولهم وإلى محل حكمه وقضائه يرجع كل عبيده وإمائه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿ولقد آتينا موسى﴾ القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها ﴿لعلهم يتذكرون﴾ إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] ﴿وما كنت﴾ في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح ﴿إذ قضينا إلى موسى﴾ أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ [آل عمران: ٨١] وما كنت في عالم الشهادة ﴿ولكنا أنشأنا قروناً﴾ في عالم الشهادة ﴿فتطاول عليهم العمر﴾ فاحتجوا بالنفس وصفاتها ونسوا تلك العهود والمواثيق ﴿وما كنت﴾ مقيماً ﴿في أهل مدين﴾ كشعيب وموسى، إذ أخذت منهما الميثاق أن يؤمنا بك ﴿ولكنا كنا مرسلين﴾ للرسل الذين أخذنا الميثاق منهم. ولولا أن تصيبهم التقدير، ولولا أن مقتضى العناية الأزلية في حق هذه الأمة ودفع حجتهم علينا فإنا ناديناهم وهم في العدم فأسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم للإِجابة ﴿فلما جاءهم الحق﴾ يعني محمداً. وفي أن له رتبة أن يقول أنا الحق لفنائه عن نفسه بالكلية وبقائه بربه وكل من سواه فليس له أن يقول ذلك إلا بطريق المتابعة ﴿لولا أوتي مثل ما أوتي﴾ لو لم يكونوا محتجبين بكفرهم عن رؤية كماله لقالوا : لولا أوتي مثل ما أوتي محمد من مقام المحبة ومقام لي مع الله وقت ﴿بكتاب من عند الله هو أهدى منهما﴾ يعني الكتاب المشتمل على العلم اللدني فإنه أهدى إلى الحضرة من الكتب الموقوفة على السماع والمطالعة، ومن لم تكن له هذه الرتبة فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه كما قال ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم﴾ ﴿الذين آتيناهم﴾ حقيقة ﴿الكتاب﴾ في عالم الرواح ﴿من قبل﴾ نزوله في عالم الأشباح ﴿هم به يؤمنون﴾ في عالم الصورة ولهذا قالوا ﴿إنا كنا من قبله مسلمين﴾ ولذلك قال ﴿يؤتون أجرهم مرتين﴾ أي في العالمين ﴿بما صبروا﴾ على مخالفات الهوى وموافقات الشرع ﴿ويدرءون﴾ بالأعمال الصالحات ظلمة المعاصي، أو بحسنة الذكر صدأ حب الدنيا عن مرآة القلوب، أو بحسنة نفي ما سوى الله شرك الوجود المجازي ﴿ومما رزقناهم﴾ من الوجود المجازي ﴿ينفقون﴾ في طلب الوجود الحقيقي :﴿وإذا سمعوا اللغو﴾ وهو طلب ما سوى الله ﴿أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا﴾ في طلب الوجود الحقيقي ﴿ولكم أعمالكم﴾ في طلب الفاني ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ وذلك أن للقلب بابين : أحدهما إلى النفس والجسد وهو مفتوح أبدا، والآخر إلى الروح والحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده كل مفتاح كما قال ﴿أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد: ٢٤] وقال :
﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ [الفتح: ١] ﴿وهو أعلم بالمهتدين﴾ الذين أصابهم رشاش النور ﴿وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف﴾ بجذبات الألوهية من أرض الأنانية ﴿أو لم نمكن لهم حرماً آمناً﴾ في مقام الهوية ﴿يجبى إليه ثمرات﴾ حقائق ﴿كل شيء رزقاً﴾ من العلوم اللدنية ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ ذوق العلم اللدني ﴿لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً﴾ أي لم تسكن في قرى القلوب الفاسد استعدادها ﴿إلا قليلاً﴾ من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية في الأحايين ﴿وكنا نحن الوارثين﴾ بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد الاستعداد ﴿حتى يبعث في أمها﴾ أي روحها لأن القلب من متولدات الروح ﴿رسولاً﴾ من وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول والوصال كما أوحى إلى عيسى " تجوّع ترني تجرد تصل إلي " ﴿أغويناهم كما غوينا﴾ راعوا طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس ﴿فبما أغويتني﴾[الأعراف: ١٦] أي ﴿أغويناهم﴾ بتقديريك ﴿كما أغوينا﴾ بقضائك وهذا من خصوصية تكريم بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة ﴿ورأوا العذاب﴾ يعني ﴿لو كانوا يهتدون﴾ لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات والشهوات والله أعلم بالخفيات.


التأويل :﴿ولقد آتينا موسى﴾ القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها ﴿لعلهم يتذكرون﴾ إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] ﴿وما كنت﴾ في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح ﴿إذ قضينا إلى موسى﴾ أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ [آل عمران: ٨١] وما كنت في عالم الشهادة ﴿ولكنا أنشأنا قروناً﴾ في عالم الشهادة ﴿فتطاول عليهم العمر﴾ فاحتجوا بالنفس وصفاتها ونسوا تلك العهود والمواثيق ﴿وما كنت﴾ مقيماً ﴿في أهل مدين﴾ كشعيب وموسى، إذ أخذت منهما الميثاق أن يؤمنا بك ﴿ولكنا كنا مرسلين﴾ للرسل الذين أخذنا الميثاق منهم. ولولا أن تصيبهم التقدير، ولولا أن مقتضى العناية الأزلية في حق هذه الأمة ودفع حجتهم علينا فإنا ناديناهم وهم في العدم فأسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم للإِجابة ﴿فلما جاءهم الحق﴾ يعني محمداً. وفي أن له رتبة أن يقول أنا الحق لفنائه عن نفسه بالكلية وبقائه بربه وكل من سواه فليس له أن يقول ذلك إلا بطريق المتابعة ﴿لولا أوتي مثل ما أوتي﴾ لو لم يكونوا محتجبين بكفرهم عن رؤية كماله لقالوا : لولا أوتي مثل ما أوتي محمد من مقام المحبة ومقام لي مع الله وقت ﴿بكتاب من عند الله هو أهدى منهما﴾ يعني الكتاب المشتمل على العلم اللدني فإنه أهدى إلى الحضرة من الكتب الموقوفة على السماع والمطالعة، ومن لم تكن له هذه الرتبة فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه كما قال ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم﴾ ﴿الذين آتيناهم﴾ حقيقة ﴿الكتاب﴾ في عالم الرواح ﴿من قبل﴾ نزوله في عالم الأشباح ﴿هم به يؤمنون﴾ في عالم الصورة ولهذا قالوا ﴿إنا كنا من قبله مسلمين﴾ ولذلك قال ﴿يؤتون أجرهم مرتين﴾ أي في العالمين ﴿بما صبروا﴾ على مخالفات الهوى وموافقات الشرع ﴿ويدرءون﴾ بالأعمال الصالحات ظلمة المعاصي، أو بحسنة الذكر صدأ حب الدنيا عن مرآة القلوب، أو بحسنة نفي ما سوى الله شرك الوجود المجازي ﴿ومما رزقناهم﴾ من الوجود المجازي ﴿ينفقون﴾ في طلب الوجود الحقيقي :﴿وإذا سمعوا اللغو﴾ وهو طلب ما سوى الله ﴿أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا﴾ في طلب الوجود الحقيقي ﴿ولكم أعمالكم﴾ في طلب الفاني ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ وذلك أن للقلب بابين : أحدهما إلى النفس والجسد وهو مفتوح أبدا، والآخر إلى الروح والحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده كل مفتاح كما قال ﴿أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد: ٢٤] وقال :
﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ [الفتح: ١] ﴿وهو أعلم بالمهتدين﴾ الذين أصابهم رشاش النور ﴿وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف﴾ بجذبات الألوهية من أرض الأنانية ﴿أو لم نمكن لهم حرماً آمناً﴾ في مقام الهوية ﴿يجبى إليه ثمرات﴾ حقائق ﴿كل شيء رزقاً﴾ من العلوم اللدنية ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ ذوق العلم اللدني ﴿لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً﴾ أي لم تسكن في قرى القلوب الفاسد استعدادها ﴿إلا قليلاً﴾ من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية في الأحايين ﴿وكنا نحن الوارثين﴾ بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد الاستعداد ﴿حتى يبعث في أمها﴾ أي روحها لأن القلب من متولدات الروح ﴿رسولاً﴾ من وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول والوصال كما أوحى إلى عيسى " تجوّع ترني تجرد تصل إلي " ﴿أغويناهم كما غوينا﴾ راعوا طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس ﴿فبما أغويتني﴾[الأعراف: ١٦] أي ﴿أغويناهم﴾ بتقديريك ﴿كما أغوينا﴾ بقضائك وهذا من خصوصية تكريم بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة ﴿ورأوا العذاب﴾ يعني ﴿لو كانوا يهتدون﴾ لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات والشهوات والله أعلم بالخفيات.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى