جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِنّ الّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَآدّكَ إِلَىَ مَعَادٍ قُل رّبّيَ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِالْهُدَىَ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ﴾.
يقول تعالى ذكره : إن الذي أنزل عليك يا محمد القرآن. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله إنّ الّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرآنَ قال : الذي أعطاك القرآن.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله إنّ الّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرآنَ قال : الذي أعطاكه.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : لَرَادّكَ إلى مَعادٍ فقال بعضهم : معناه : لمصيرك إلى الجنة. ذكر من قال ذلك :
حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال : حدثنا عتاب بن بشر، عن خَصِيف، عن عكرِمة، عن ابن عباس لَرَادّكَ إلى مَعادٍ قال : إلى معدِنِك من الجنة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس، قال : إلى الجنة.
حدثنا ابن وكيع، قال : ثني أبي، عن إبراهيم بن حبان، سمعت أبا جعفر، عن ابن عباس، عن أبي سعيد الخدريّ لَرَادّكَ إلى مَعادٍ قال : معاده آخرته الجنة.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك، في إِنّ الّذي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرآن لرَادّكَ إلى مَعادٍ قال : إلى الجنة ليسألك عن القرآن.
حدثنا أبو كُرَيب وابن وكيع، قالا : حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي صالح، قال : الجنة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي صالح لَرَادّكَ إلى مَعادٍ قال : إلى الجنة.
حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك، قال : يردّك إلى الجنة، ثم يسألك عن القرآن.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد، قالا : إلى الجنة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرِمة وعطاء ومجاهد وأبي قَزعة والحسن، قالوا : يوم القيامة.
قال : ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد لَرَادّكَ إلى مَعادٍ قال : يجيء بك يوم القيامة.
قال : ثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن والزهري، قالا : معاده يوم القيامة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله لَرَادّكَ إلى مَعادٍ قال : يجيء بك يوم القيامة.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا هوذة، قال : حدثنا عون، عن الحسن، في قوله لَرَادّكَ إلى مَعادٍ قال : معادُك من الآخرة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، في قوله لَرَادّكَ إلى مَعادٍ قال : كان الحسن يقول : إيْ والله، إن له لمعادا يبعثه الله يوم القيامة، ويدخله الجنة.
وقال آخرون : معنى ذلك : لرادّك إلى الموت. ذكر من قال ذلك :
حدثني إسحاق بن وهب الواسطي، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري، قال : حدثنا سفيان بن سعيد الثوري، عن الأعمش، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس لَرَادّكَ إلى مَعادٍ قال : الموت.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن السديّ، عن رجل، عن ابن عباس، قال : إلى الموت.
قال : ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر، عن سعيد لَرَادّكَ إلى مَعادٍ قال : إلى الموت.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السديّ عمن سمع ابن عباس، قال إلى الموت.
حدثنا أبو كُرَيب وابن وكيع، قالا : حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن الأعمش، عن سعيد بن جُبَير، قال : إلى الموت.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جُبَير في قوله لَرَادّكَ إلى مَعادٍ قال : الموت.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عديّ بن ثابت، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال : إلى الموت، أو إلى مكة.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لرَادّك إلى الموضع الذي خرجت منه، وهو مكة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يعلى بن عبيد، عن سفيان العصفريّ، عن عكرمة، عن ابن عباس لَرَادّكَ إلى مَعادٍ قال : إلى مكة.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس لَرَادّكَ إلى مَعَادٍ قال : يقول : لرادّك إلى مكة، كما أخرجك منها.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا ابن يمان، قال : أخبرنا موسى بن أبي إسحاق، عن مجاهد، قال : مولده بمكة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي عن يونس ابن أبي إسحاق، قال : سمعت مجاهدا يقول : لَرَادّكَ إلَى مَعَادٍ قال : إلى مولدك بمكة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا يونس بن عمرو، وهو ابن أبي إسحاق، عن مجاهد، في قوله : إنّ الّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرآنَ لَرَادّكَ إلى مَعادٍ قال : إلى مولدك بمكة.
حدثني الحسين بن عليّ الصدائي، قال : حدثنا أبي، عن الفضيل بن مرزوق، عن مجاهد أبي الحجاج، في قوله : إنّ الّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرآنَ لَرَادّكَ إلى مَعادٍ قال : إلى مولده بمكة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني عيسى بن يونس، عن أبيه، عن مجاهد قال : إلى مولدك بمكة.
والصواب من القول في ذلك عندي : قول من قال : لرادّك إلى عادتك من الموت، أو إلى عادتك حيث وُلدت، وذلك أن المعاد في هذا الموضع : المَفْعَل من العادة، ليس من العَوْد، إلاّ أن يوجّه مُوَجّه تأويل قوله : لَرَادّكَ لمصيرك، فيتوجه حينئذٍ قوله إلى مَعادٍ إلى معنى العود، ويكون تأويله : إن الذي فرض عليك القرآن لمُصَيّرك إلى أن تعود إلى مكة مفتوحة لك.
فإن قال قائل : فهذه الوجوه التي وصفت في ذلك قد فهمناها، فما وجه تأويل من تأوّله بمعنى : لرادّك إلى الجنة ؟ قيل : ينبغي أن يكون وجه تأويله ذلك كذلك على هذا الوجه الاَخر، وهو لمصيرك إلى أن تعود إلى الجنة.
فإن قال قائل : أوَ كان أُخرج من الجنة، فيقالَ له : نحن نعيدك إليها ؟ قيل : لذلك وجهان : أحدهما : أنه إن كان أبوه آدم صلّى الله عليهما أخرج منها، فكأن ولده بإخراج الله إياه منها، قد أخرجوا منها، فمن دخلها فكأنما يُرد إليها بعد الخروج. والثاني أن يُقال : إنه كان ﷺ دخلها ليلة أُسرِي به، كما رُوي عنه أنه قال :«دَخَلْتُ الجَنّةَ، فَرأيْتُ فِيها قَصْرا، فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا ؟ فَقالُوا لعُمَرَ بنِ الخطّابِ »، ونحو ذلك من الأخبار التي رُويت عنه بذلك، ثم رُدّ إلى الأرض، فيقال له : إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك لمصيرك إلى الموضع الذي خرجت منه من الجنة، إلى أن تعود إليه، فذلك إن شاء الله قول من قال ذلك.
وقوله : قُلْ رَبّي أعْلَمُ مَنْ جاءَ بالهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبين يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : ربي أعلم مَن جاء بالهُدى الذي من سلكه نجا، ومن هو في جور عن قصد السبيل منا ومنكم. وقوله : مُبِينٌ يعني أنه يُبِين للمفكر الفهم إذا تأمّله وتدبّره، أنه ضلال وجور عن الهدى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى