زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءانَ﴾ قال مقاتل : خرج رسول الله ﷺ من الغار ليلا، فمضى من وجهه إلى المدينة فسار في غير الطريق مخافة الطلب، فلما أمن رجع إلى الطريق فنزل الجحفة بين مكة والمدينة، فعرف الطريق إلى مكة، فاشتاق إليها، وذكر مولده، فأتاه جبريل فقال : أتشتاق إلى بلدك ومولدك ؟ قال : نعم ؛ قال : فإن الله تعالى يقول :﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءانَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، فنزلت هذه الآية بالجحفة.
وفي معنى " فَرَضَ عَلَيْكَ " ثلاثة أقوال :
أحدها : فرض عليك العمل بالقرآن، قاله عطاء بن أبي رباح، وابن قتيبة.
والثاني : أعطاك القرآن، قاله مجاهد.
والثالث : أنزل عليك القرآن، قاله مقاتل، والفراء، وأبو عبيدة.
وفي قوله :﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أربعة أقوال :
أحدها : إلى مكة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد في رواية، والضحاك. قال ابن قتيبة : معاد الرجل : بلده، لأنه يتصرف في البلاد ويضرب في الأرض ثم يعود إلى بلده.
والثاني : إلى معادك من الجنة، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والزهري. فإن اعترض على هذا فقيل : الرد يقتضي أنه قد كان فيما رد إليه ؛ فعنه ثلاثة أجوبة :
أحدها : أنه لما كان أبوه آدم في الجنة ثم أخرج، كان كأن ولده أخرج منها، فإذا دخلها فكأنه أعيد.
والثاني : أنه دخلها ليلة المعراج، فإذا دخلها يوم القيامة كان ردا إليها، ذكرهما ابن جرير.
والثالث : أن العرب تقول : رجع الأمر إلى كذا، وإن لم يكن له كون فيه قط، وأنشدوا :
وما المرء إلا كالشهاب وضوئهيحور رمادا بعد إذ هو ساطع
وقد شرحنا هذا في قوله ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمور﴾ [البقرة: ٢١٠].
والثالث : لرادك إلى الموت، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال أبو سعيد الخدري.
والرابع : لرادك إلى القيامة بالبعث، قاله الحسن، والزهري، ومجاهد في رواية، والزجاج.
ثم ابتدأ كلاما يرد به على الكفار حين نسبوا النبي ﷺ إلى الضلال، فقال :﴿قُل رَّبّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى﴾ ؛ والمعنى : قد علم أني جئت بالهدى، وأنكم في ضلال مبين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى