مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم إنه سبحانه لما شرح لرسوله أمر القيامة واستقصى في ذلك، شرح له ما يتصل بأحواله فقال :﴿إن الذي فرض عليك القرءان لرادك إلى معاد﴾ قال أبو علي : الذي فرض عليك أحكامه وفرائضه لرادك بعد الموت إلى معاد، وتنكير المعاد لتعظيمه، كأنه قال إلى معاد وأي معاد، أي ليس لغيرك من البشر مثله. وقيل المراد به مكة، ووجهه أن يراد برده إليها يوم الفتح، ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم معادا له شأن عظيم لاستيلاء رسول الله ﷺ عليها وقهره لأهلها وإظهار عن الإسلام وإذلال حزب الكفر والسورة مكية، فكأن الله تعالى وعده وهو بمكة في أذى وغلبة من أهلها أنه يهاجر منها ويعيده إليها ظاهرا ظافرا. وقال مقاتل : إنه عليه السلام خرج من الغار وسار في غير الطريق مخافة الطلب، فلما أمن رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة واشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه، فنزل جبريل عليه السلام وقال : تشتاق إلى بلدك ومولدك، فقال عليه السلام : نعم، فقال جبريل عليه السلام : فإن الله تعالى يقول :﴿إن الذي فرض عليك القرءان لرادك إلى معاد﴾ يعني إلى مكة ظاهرا عليهم وهذا أقرب، لأن ظاهر المعاد أنه كان فيه وفارقه وحصل العود، وذلك لا يليق إلا بمكة، وإن كان سائر الوجوه محتملا لكن ذلك أقرب، قال أهل التحقيق : وهذا أحد ما يدل على نبوته، لأنه أخبر عن الغيب ووقع كما أخبر فيكون معجزا، ثم قال ﴿قل ربى أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين﴾ ووجه تعلقه بما قبله أن الله تعالى وعد رسوله الرد إلى معاد، قال :﴿قل﴾ للمشركين ﴿ربى أعلم من جاء بالهدى﴾ يعني نفسه وما يستحقه من الثواب في المعاد والإعزاز بالإعادة إلى مكة ﴿ومن هو في ضلال مبين﴾ يعنيهم وما يستحقون من العقاب في معادهم،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى