الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿التَّرَاقِيَ﴾ : مفعولُ " بَلَغَتْ "، والفاعلُ مضمرٌ [ يعود ] على النفسِ، وإنْ لم يَجْرِ لها ذِكْرٌ، كقولِ حاتم :
أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عن الفتىإذا حَشْرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصدرُ
أي : حَشْرَجَتِ النفسُ. وقيل في البيت : إنَّ الدالَّ على النفس ذِكْرُ جُمْلَةِ ما اشتملَ عليها، وهو الغِنى، فكذلك هنا ذِكْرُ الإِنسانِ دالٌّ على النفسِ. والتَّراقِي : جمع تَرْقُوَة، أصلُها تَراقِوُ، قُلِبَتْ واوُها ياءً لانكسار ما قبلها. والتَّرْقُوَة إحدى عِظامِ الصدرِ، كذا قال الشيخ، والمعروفُ غيرُ ذلك. قال الزمخشري :" ولكلِّ إنسانٍ تَرْقُوَتان " فعلى هذا تكونُ مِنْ باب : غليظِ الحواجب وعريضِ المناكب. والتراقِي : موضِعُ الحَشْرَجَةِ. قال :
ورُبَّ عظيمةٍ دافَعتُ عنهاوقد بلغَتْ نفوسُهُمُ التراقِيْ
وقال الراغب :" التَّرْقُوَةُ عَظْمٌ وُصِلَ ما بين ثُغْرَةِ النحرِ والعاتِق " انتهى. وقال الزمخشري :" العِظامُ المكتنِفةُ لثُغْرَةِ النَّحْرِ عن يمينٍ وشِمالٍ " ووزنها فَعْلُوة، فالتاءُ أصلٌ والواوُ زائدةٌ، يَدُلُّ عليه إدخالُ أهل اللغةِ إياها في مادة " تَرَق ". وقال أبو البقاء :" والتراقي : جمع تَرْقُوَة " وهي فَعْلُوة، وليست تَفْعُلَة، إذ ليس في الكلام " رقو "، وقُرِىء " التراقي " بسكونِ الياء، وهي كقراءةِ زيدٍ " تُطْعِمون أهالِيْكم " [المائدة: ٨٩] وقد تقدَّم توجيهُها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى