اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي﴾ «كَلاَّ » ردْعَ وزَجْر، أي بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة، ثم استأنف فقال :﴿إِذَا بَلَغَتِ التراقي﴾ أي : بلغت النفس والروح التراقي فأخبر بما لم يجر له ذكر لعلم المخاطب به كقوله تعالى :﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾[ص: ٣٢] وقوله :﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم﴾ [الواقعة: ٨٣].
وقيل :«كَلاّ » معناه «حقّاً » إن المساق إلى الله تعالى إذا بلغت التراقي، أي إذا ارتفعت النفس إلى التراقي.
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول : إذا بلغت نفس الكافر التراقي(١).
و «التراقي » : مفعول «بلغت » والفاعل مضمر، أي : النفس وإن لم يجرِ لها ذكر، كقول حاتم :[ الطويل ]
٥٠٠٤ -أمَاوِيَّ ما يُغنِي الثَّراءُ عن الفَتَىإذَا حَشْرجتْ يَوْماً وضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ(٢)
أي : حشرجت النفس.
وقيل : في البيت : إن الدال على النفس ذكر جملة ما اشتمل عليها وهو الفتى فكذلك هنا ذكر الإنسان دال على النفس، والعامل في «إذَا بَلغت » معنى قوله تعالى :﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾ [القيامة: ٣٠]، أي : إذ بلغت الحلقوم رفعت إلى الله تعالى، ويكون قوله :﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] معطوف على «بلغت ».
و «التراقي » : جمع «ترقوة »، أصلها :«تراقو » قلبت واوها ياء لانكسار ما قبلها.
والترقوة : أحد عظام الصدر. قاله أبو حيان(٣)، والمعروف غير ذلك.
قال الزمخشري : ولكل إنسان ترقوتان، فعلى هذا يكون من باب : غليظ الحواجب وعريض المناكب.
وقال القرطبي(٤) :«هي العظام المكتنفة لنُقْرة النحر، وهو مقدم الدّلق من أعلى الصدر، وهو موضع الحَشْرجة ».
قال دريدُ بن الصمَّةِ :[ الوافر ]
٥٠٠٥ - ورُبَّ عَظِيمةٍ دَافعْتُ عَنْهَاوقَدْ بَلغَتْ نُفوسُهُمُ التَّراقِي(٥)
وقال الراغب :«التَّرْقُوة » : عظم وصل ما بين نُقرة النحر والعاتق انتهى.
وقال الزمخشري : العظام المكتنفة لنقرة النحر عن يمين وشمال. ووزنها :«فَعْلُوة » فالتاء أصل والواو زائدة، يدل عليه إدخال أهل اللغة إياها في مادة «ترق ».
وقال أبو البقاء والفراء : جمع تَرْقُوَة، وهي «فَعْلُوة »، وليست ب «تَفْعلَة »، إذ ليس في الكلام «رقو ».
وقرئ(٦) :«التراقي » بسكون، وهي كقراءة زيد :﴿تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وقد تقدم توجيهها.
وقد يكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت والمقصود تذكيرهم شدة الحال عند نزول الموت.

فصل في الرد على من طعن في الآية


قال ابن الخطيب(٧) : قال بعض الطَّاعنين : إن النفس إنما تصل إلى التراقي بعد مفارقتها للقلب ومتى فارقت النفس القلب حصل الموت لا محالة، والآية تدل على أن عند بلوغها التراقي تبقى الحياة حتى يقال فيه : من راق وحتى تلتف الساق بالساق، والجواب : أن المراد من قوله :﴿حتَّى إذَا بَلَغَت التَّرَاقِي﴾، أي : إذا حصل بالقرب من تلك الحالة.
١ ينظر المصدر السابق..
٢ تقدم..
٣ ينظر: البحر المحيط ٨/٣٨٢..
٤ الجامع لأحكام القرآن ١٩/٧٢..
٥ قيل البيت لدريد بن الصمة، وقيل لابنته عمرة ترثي أباها، وقيل لذي الرمة.
ينظر مجمع البيان ١٠/٦٠٥، والقرطبي ١٩/٧٢، والبحر ٨/٣٧٤، والدر المصون ٦/٤٣٢..

٦ ينظر: الدر المصون ٦/٤٣٢..
٧ ينظر: الفخر الرازي ٣٠/٢٠٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى