اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿أولى لَكَ فأولى﴾ تقدم الكلام عليه في أول سورة القتال، وإنما كررها هنا مبالغة في التهديد والوعيد، فهو تهديد بعد تهديد ووعيد بعد وعيد ؛ قالت الخنساء :[ المتقارب ]
٥٠١٣ - هَمَمْتُ بنَفْسِيَ كُلَّ الهُمومِفأولَى لِنفْسِيَ أوْلَى لَهَا(١)
وقال أبو البقاء هنا :«وزن » أولى فيه قولان :
أحدهما :«فَعْلَى » والألف فيه للإلحاق لا للتأنيث.
والثاني : هو «أفعل »، وهو على القولين هنا «علمٌ »، ولذلك لم ينون، ويدل عليه ما حكى أبو زيد في «النوادر » : هو أولاة - بالتاء - غير مصروف، لأنه صار علماً للوعيد، فصار كرجل اسمه أحمد، فعلى هذا يكون أولى مبتدأ، و «لك » الخبر.
والثاني : أن يكون اسماً للفعل مبنياً، ومعناه : وليك شر بعد شر، و «لك » تبيين.

فصل في نزول الآية


قال قتادة ومقاتل والكلبي :«خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ مِنَ المَسْجدِ ذَاتَ لَيْلةٍ فاسْتقَبلهُ أبُو جَهْل على بَابِ المَسْجدِ ممَّا يلي باب بني مَخْزُوم، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، فهزه مرة أو مرتين ثم قال له رسول الله ﷺ :" أوْلَى لَكَ فأوْلَى، ثُمَّ أوْلَى لَكَ فأوْلَى " فقال أبو جهلٍ : أتُهدِّدنِي ؟ فواللَّهِ إنِّي لأعزُّ أهل هذا الوَادِي وأكْرمهُ، ولا تَسْتطِيعُ أنْتَ ولا ربُّكَ أن تَفْعَلا بِي شَيْئاً ثُمَّ انسَلَّ ذَاهِباً »، فأنزل الله - تعالى - كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام(٢).
ومعنى أوْلَى لَكَ يعني ويل لك ؛ قال الشاعر :[ الوافر ]
٥٠١٤ - فأوْلَى ثُمَّ أوْلَى ثُمَّ أوْلَىوهَلْ لِلدَّرِّ يُحْلَبُ مِنْ مَرَدِّ ؟(٣)
وقيل : هو من المقلوب، كأنه قيل :«ويل » ثم أخر الحرف المعتل، والمعنى : الويل لك يوم تدخل النار ؛ وهذا التكرير كقوله :[ الطويل ]
٥٠١٥ -. . .لَكَ الوَيْلاتُ إنَّكَ مُرْجِلِي(٤)
أي لك الويل ثم الويل.
وقيل : معناه الذم لك أولى من تركه.
وقيل : المعنى أنت أولى وأجدر بهذا العذاب.
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى : قال الأصمعي «أولى » في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك كما تقول : قد وليت الهلاك، أي دانيت الهلاك، وأصله من «الولي » وهو القرب، قال تعالى :﴿قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٣] أي : يقربون منكم.
قال القرطبي :«وقيل : التكرير فيه على معنى من ألزم لك على عملك السيئ الأول ثم الثاني والثالث والرابع ».
١ ينظر ديوانها ص ٨٣، وابن الشجري ١/٢٤٣، ٢/٣٢٥، والخصائص ٣/٤٤، ومجمع البيان ١٠/٦٠٥، ٨٤١..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٥١) عن قتادة. وذكره القرطبي "تفسيره" (١٩/٧٤)..
٣ تقدم..
٤ تقدم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى