فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿أولى لَكَ فأولى * ثُمَّ أولى لَكَ فأولى﴾ أي وليك الويل، وأصله : أولاك الله ما تكرهه، واللام مزيدة كما في ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢]. وهذا تهديد شديد والتكرير للتأكيد : أي يتكرر عليك ذلك مرة بعد مرة. قال الواحدي : قال المفسرون : أخذ رسول الله ﷺ بيد أبي جهل، ثم قال :﴿أولى لَكَ فأولى﴾ فقال أبو جهل : بأيّ شيء تهدّدني لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا، وإني لأعزّ أهل هذا الوادي، فنزلت هذه الآية. وقيل معناه : الويل لك، ومنه قول الخنساء :
هممت بنفسي بعض الهموم فأولى لنفسي أولى لها
وعلى القول بأنه الويل، قيل : هو من المقلوب كأنه قيل : أويل لك، ثم أخر الحرف المعتل. قيل : ومعنى التكرير لهذا اللفظ أربع مرات، والويل لك حياً، والويل لك ميتاً، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار. وقيل المعنى : إن الذمّ لك أولى لك من تركه. وقيل المعنى : أنت أولى وأجدر بهذا العذاب قاله ثعلب. وقال الأصمعي : أولى في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك. قال المبرّد : كأنه يقول : قد وليت الهلاك وقد دانيته، وأصله من الولي، وهو القرب، وأنشد الفراء :
فأولى أن يكون لك الولاء ***. . .
أي قارب أن يكون لك، وأنشد أيضاً :
أولى لمن هاجت له أن يكمدا ***. . .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ قال : تنتزع نفسه حتى إذا كانت في تراقيه، قيل : من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب. ﴿والتفت الساق بالساق﴾ قال : التفت عليه الدنيا والآخرة وملائكة العذاب أيهم يرقى به. وأخرج عبد بن حميد عنه ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ قل : من راق يرقى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً ﴿والتفت الساق بالساق﴾ يقول : آخر يوم من أيام الدنيا وأوّل يوم من أيام الآخرة، فتلقى الشدّة بالشدّة إلاّ من رحم الله. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً ﴿يتمطى﴾ قال : يختال. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال : سألت ابن عباس عن قوله :﴿أولى لَكَ فأولى﴾ أشيء قاله رسول الله ﷺ لأبي جهل من قبل نفسه، أم أمره الله به ؟ قال : بل قاله من قبل نفسه ثم أنزله الله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ قال : هملاً. وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري عن صالح أبي الخليل قال :«كان النبيّ ﷺ إذا قرأ هذه الآية ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾ قال : سبحانك اللَّهم، وبلى». وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال : لما نزلت هذه الآية ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾ قال رسول الله ﷺ :«سبحانك ربي، وبلى». وأخرج ابن النجار في تاريخه عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عند قراءته لهذه الآية :«بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين». وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«من قرأ منكم ﴿والتين والزيتون﴾ [التين: ١] فانتهى إلى آخرها ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ [التين: ٨] فليقل : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ [القيامة: ١] فانتهى إلى قوله :﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾ فليقل : بلى، ومن قرأ :﴿والمرسلات عُرْفاً﴾ [المرسلات: ١] فبلغ ﴿فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٨٥] فليقل : آمنا بالله». وفي إسناده رجل مجهول. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :«إذا قرأت ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ فبلغت ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾ فقل : بلى».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى