اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن﴾. هذه «أن » المخففة وتقدم حكمها في «المائدة » و «أن » وما في حيِّزها في موضع الجرِّ، والفاصل هنا حرف النَّفي، وهي وما في حيِّزها سادَّةٌ مسدّ مفعولي «حَسِب » أو مفعوله على الخلاف.
والعامَّة : على «نَجْمَعَ » بنون العظمة، و «عِظامهُ » نصب مفعولاً به.
وقتادة :«تُجْمع »(١) بتاءٍ من فوقُ مضمومةٍ على ما لم يسم فاعله ؛ «عظامه » رفع لقيامه مقام الفاعل.

فصل في جواب هذا القسم


قال الزجاج : أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ليجمعنَّ العظام للبعث، فهذا جواب [ القسم.
وقال النحاس : جواب ](٢) القسم محذوف، أي : لنبعثن.
والمراد بالإنسان : الكافر المكذب بالبعث.
قيل :«نزلت في عدي بن ربيعة قال للبني ﷺ حَدِّثنِي عن يَومِ القِيامةِ مَتَى تكُونُ، وكَيْفَ أمْرهَا وحَالُهَا ؟ فأخْبرَهُ النَّبيُّ ﷺ، فقال : لَوْ عَايَنْتُ ذلكَ اليَوْمَ لَمْ أصَدِّقكَ يا مُحمَّدُ ولَمْ أومِنْ بِه، أو يَجْمَعُ اللَّهُ العِظامَ ؟ ولهذا كان النبيُّ ﷺ يقول :" اللَّهُمَّ اكفِنِي جَارَي السُّوءِ عدَيَّ بن ربيعَة، والأخنس بنَ شَريقٍ " (٣).
وقيل : نزلت في عدو الله أبي جهل حين أنكر البعث بعد الموت، وذكر العظام، والمراد نفسه كلها ؛ لأن العظام قالب الخلق.
وقيل : المراد بالإنسان : كل من أنكر البعث مطلقاً.
قوله :﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد النفي المنسحب عليه الاستفهام، وهو وقف حسن، ثم يبتدئ " قَادِرين "، ف " قَادِرين " حال من الفاعل المضمر في الفعل المحذوف على ما ذكرنا من التقدير.
وقيل : المعنى بل نجمعها نقدر قادرين.
قال الفراء :" قادرين " نصب على الخروج من " نَجْمعَ " أي نقدر ونقوى " قادرين " على أكثر من ذلك.
وقال أيضاً : يَصْلُح نصبُه على التكرير، أي : بلى فليحسبنا قادرين.
وقيل : المضمر " كنا " أي : كنا قادرين في الابتداء، وقد اعترف به المشركون.
وقرأ ابن أبي عبلة(٤) وابن السميفع :" قادرون " رفعاً على خبر ابتداء مضمر، أي " بلى " نحن " قادرون " ﴿على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ والبنانُ عند العرب : الأصابع، واحدُها بنانةٌ ؛ قال عنترة :[ الوافر ]
٤٩٨٥ - وأنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذَا مَاوصَلْتُ بَنانَهَا بالهِنْدُوَانِي(٥)
فنبه بالبنان على بقية الأعضاء.
وأيضاً : فإنها أضعف العظام فخصها الله - عز وجل - بالذكر لذلك.
١ ينظر: الكشاف ٤/٦٥٩، والبحر المحيط ٨/٣٧٦، والدر المصون ٦/٤٢٦..
٢ سقط من أ..
٣ ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" المسمى بـ"زاد المسير" (٨/٤١٧) والقرطبي في "تفسيره" (١٩/٦١)..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٤٠٢، والبحر المحيط ٨/٣٧٦، والدر المصون ٦/٤٢٦..
٥ ينظر ديوان عنترة ص ١٥٠، والقرطبي ١٩/٩٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى