البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وجواب القسم محذوف يدل عليه يوم القيامة المقسم به وما بعده من قوله :﴿أيحسب﴾ الآية، وتقديره لتبعثن.
وقال الزمخشري : فإن قلت : قوله تعالى :﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي، وكان قد أنشد قول امرىء القيس :
لا وأبيك ابنة العامريلا يدعي القوم إني أفرّ
وقول غوية بن سلمى :
ألا نادت أمامة باحتماليلتحزنني فلا بك ما أبالي
قال : فهلا زعمت أن لا التي للقسم زيدت موطئة للنفي بعده ومؤكدة له، وقدرت المقسم عليه المحذوف ههنا منفياً، نحو قولك :﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾، لا تتركون سدى ؟ قلت : لو قصروا الأمر على النفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ، ولكنه لم يقسم.
ألا ترى كيف لقي ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ بقوله :﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾ وكذلك ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ ﴿إنه لقرآن كريم﴾ ثم قال الزمخشري : وجواب القسم ما دل عليه قوله :﴿أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه﴾، وهو لتبعثن. انتهى، وهو تقدير النحاس.
وقول من قال جواب القسم هو :﴿أيحسب الإنسان﴾.
وما روي عن الحسن أن الجواب :﴿بلى قادرين﴾، وما قيل أن لا في القسمين لنفيهما، أي لا أقسم على شيء، وأن التقدير : أسألك أيحسب الإنسان ؟ أقوال لا تصلح أن يرد بها، بل تطرح ولا يسود بها الورق، ولولا أنهم سردوها في الكتب لم أنبه عليها.
والإنسان هنا الكافر المكذب بالبعث.
روي أن عدي بن ربيعة قال لرسول الله ﷺ : يا محمد، حدّثني عن يوم القيامة متى يكون أمره ؟ فأخبره رسول الله ﷺ، فقال : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أؤمن به، أويجمع الله هذه العظام بعد بلاها، فنزلت.
وقيل : نزلت في أبي جهل، كان يقول : أيزعم محمد ﷺ أن يجمع الله هذه العظام بعد بلاها وتفرّقها فيعيدها خلقاً جديداً ؟
وقرأ الجمهور :﴿نجمع﴾ بنون، ﴿عظامه﴾ نصباً ؛ وقتادة : بالتاء مبنياً للمفعول، عظامه رفعاً، والمعنى : بعد تفرّقها واختلاطها بالتراب وتطيير الرياح إياها في أقاصي الأرض.
وقوله :﴿أيحسب﴾ استفهام تقرير وتوبيخ، حيث ينكر قدرة الله تعالى على إعادة المعدوم.
﴿بلى﴾ : جواب للاستفهام المنسحب على النفي، أي بلى نجمهعا.
وذكر العظام، وإن كان المعنى إعادة الإنسان وجمع أجزائه المتفرقة، لأن العظام هي قالب الخلق.
وقرأ الجمهور :﴿قادرين﴾ بالنصب على الحال من الضمير الذي في الفعل المقدر وهو يجمعها ؛ وابن أبي عبلة وابن السميفع : قادرون، أي نحن قادرون.
﴿على أن نسوي بنانه﴾ : وهي الأصابع، أكثر العظام تفرّقاً وأدقها أجزاء، وهي العظام التي في الأنامل ومفاصلها، وهذا عند البعث.
وقال ابن عباس والجمهور : المعنى نجعلها في حياته هذه بعضة، أو عظماً واحداً كخف البعير لا تفاريق فيه، أي في الدنيا فتقل منفعته بها، وهذا القول فيه توعد، والمعنى الأول هو الظاهر والمقصود من رصف الكلام.
وذكر الزمخشري هذين القولين بألفاظ منمقة على عادته في حكاية أقوال المتقدمين.
وقيل :﴿قادرين﴾ منصوب على خبر كان، أي بلى كنا قادرين في الابتداء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى