الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ﴾ : يجوزُ أَنْ تكونَ مستأنفة أخبر عنهم بذلك، وأن تكونَ حالاً من الضمير في " عليهم " ومعنى لا يُصَدَّعون عنها أي : بسببها. قال الزمخشري :" وحقيقتُه : لا يَصْدُرُ صُداعُهم عنها " والصُّداع : هو الداءُ المعروفُ الذي يَلْحَقُ الإِنسانَ في رأسِه، والخمر تؤثِّر فيه. قال علقمة بن عبدة في وصف الخمر :
تَشْفي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيك صالبُهاولا يخالِطُها في الرأس تدويمُ
ولما قرأت هذا الديوان على الشيخ أثير الدين أبي حيان رحمه الله قال لي : هذه صفةُ خمر الجنة. وقال لي : لَمَّا قرأتُه على الشيخ أبي جعفر ابن الزبير قال لي : هذه صفةُ خمر الجنة. وقيل : لا يُصَدَّعون : لا يُفَرَّقون كما يتفرَّق الشَّربُ عن الشَّراب للعوارض الدنيوية. ومِنْ مجيء تَصَدَّعَ بمعنى تَفَرَّق قولُه :" فتصدَّع السحابُ عن المدينة "، أي : تفرَّق. ويُرَجِّحه قراءةُ مجاهد " لا يَصَّدَّعون " بفتح الياءِ وتشديد الصادِ. والأصلُ : يَتَصَدَّعون، أي : يتفرَّقون كقوله تعالى :﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]. وحكى الزمخشري قراءةً وهي " لا يُصَدِّعون " بضم الياء وتخفيفِ الصادِ وكسرِ الدال مشددةً. قال : أي لا يُصَدِّعُ بعضُهم بعضاً، أي : لا يُفَرِّقُونهم. وتقدَّم الخلافُ بين السبعة في " يُنزِفُونَ " وتفسيرُ ذلك.
وقرأ ابن أبي إسحاق بفتح الياء وكسر الزاي مِنْ نَزَفَ البِئْرُ، أي : اسْتُقِيَ ما فيها. والمعنى : لا تَنْفَدُ خمرُهم. قال الشيخ :" وابن أبي إسحاق أيضاً، وعبد الله والجحدريُّ والأعمش وطلحة وعيسى، بضمِّ الياء وكسر الزاي أي : لا يَفْنى لهم شراب ". قلت : وهذا عجيبٌ منه فإنَّه قد تقدَّم في الصافات أن الكوفيين يَقْرَؤون في الواقعة بكسر الزاي، وقد نقل هو هذه القراءة في قصيدته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى