محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٩ من سورة الواقعة في ٩٣ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٩ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٩ من سورة الواقعة

٩٣ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : لا يُصَدّعُونَ عَنْها يقول : لا تصدع رؤوسهم عن شربها فتسكر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني إسماعيل بن موسى السديّ، قال : أخبرنا شريك، عن سالم، عن سعيد، قوله : لا يُصَدّعُونَ عَنْها قال : لا تصدّع رؤوسهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة لا يُصَدّعُونَ عَنْها ليس لها وجع رأس.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا سليمان، قال : حدثنا أبو هلال، عن قتادة لا يُصَدّعُونَ عَنْها قال : لا تصدّع رؤوسهم.
حدثنا ابن حمَيد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد لا يُصَدّعُونَ عَنْها يقول : لا تصدّع رؤوسهم.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : لا يُصَدّعُونَ عَنْها يعني : وجع الرأس.
وقوله : وَلا يُنْزِفُونَ اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأت عامة قرّاء المدينة والبصرة «يُنْزَفُونَ » بفتح الزاي، ووجهوا ذلك إلى أنه لا تنزف عقولهم. وقرأته عامة قرّاء الكوفة لا يُنْزِفُونَ بكسر الزاي بمعنى : ولا ينفد شرابهم.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب فيها الصواب.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك على نحو اختلاف القرّاء فيه. وقد ذكرنا اختلاف أقوالهم في ذلك، وبيّنا الصواب من القول فيه في سورة الصافات، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع، غير أنا سنذكر قول بعضهم في هذا الموضع لئلا يظنّ ظانّ أن معناه في هذا الموضع مخالف معناه هنالك. ذكر قول من قال منهم : معناه لا تنزف عقولهم.
حدثنا إسماعيل بن موسى، قال : أخبرنا شريك، عن سالم، عن سعيد وَلا يُنْزِفُونَ قال : لا تنزف عقولهم.
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد وَلا يُنْزِفُونَ قال : لا تنزف عقولهم.
وحدثنا ابن حميد، مرة أخرى فقال ولا تذهب عقولهم.
حدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَلا يُنْزَفُونَ لا تنزف عقولهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله : وَلا يُنْزِفُونَ قال : لا يغلب أحد على عقله.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، في قوله : وَلا يُنْزِفُونَ قال : لا يغلب أحد على عقله.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا سليمان، قال : حدثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله : وَلا يُنْزِفُونَ قال : لا تغلب على عقولهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾
يقول تعالى ذكره: جماعة من الأمم الماضية، وقليل من أمة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وهم الآخرون وقيل لهم الآخرون: لأنهم آخر الأمم (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) يقول: فوق سُرر منسوجة، قد أدخل بعضها في بعض، كما يوضن حلق الدرع بعضها فوق بعض مضاعفة؛ ومنه قول الأعشى:
وَمِنْ نَسْج دَاوُدَ مَوْضُونَةً تُساقُ مَعَ الحَيّ عِيرًا فعِيْرًا (١)
ومنه وضين الناقة، وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض
(١) وهذا البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه طبع القاهرة ٩٩) من قصيدة يمدح بها هوذة بن على الحفني. وقبل البيت:
وأعْدَدْتَ للْحَرْبِ أوْزَارَهارِماحَا طِوَالا وَخَيْلا ذُكُورَا
وأوزار الحرب: عدتها، ودرع موضونة منسوج بعضها على بعض، وتساق مع الحي: تحمل. يقول: أعددت للحرب عدتها، من الرماح الطوال، والخيل الجياد والدروع الكثيفة التي نسجت نسجا مضاعفا، تحمل فوق الجمال، عيرا من ورائها عير. وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ١٧٤ - ب) عند قوله تعالى "على سرر موضونة": بعضها على بعض، مداخلة كما توضن حلق الدرع بعضها في بعض مضاعفة. وقال الأعشى: " ومن نسج داود... البيت ". والوضين: البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا، كالحلق حلق الدروع، فهو وضين، وضع في موضع موضون، كما يقولون قتيل في موضع مقتول قال: *إليك تعدو قلقا وضينها *
مضاعفا كالحلق حلق الدرع: وقيل: وضين، وإنما هو موضون، صرف من مفعول إلى فعيل، كما قيل: قتيل لمقتول: وحُكي سماعا من بعض العرب أزيار الآجرّ موضون بعضها على بعض، يراد مشرج صفيف.
وقيل: إنما قيل لها سُرر موضونة، لأنها مشبكة بالذهب والجوهر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) قال: مرمولة بالذهب.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الحصين، عن مجاهد (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) قال: مرمولة بالذهب.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) قال: يعني الأسرة المرملة.
حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن مجاهد، قال: الموضونة: المرملة بالذهب.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرِمة قوله: (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) قال: مشبكة بالدّر والياقوت.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن
أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (مَوْضُونَةٍ) قال: مرمولة بالذهب.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) والموضونة: المرمولة، وهى أوثر السرر.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، في قوله: (مَوْضُونَةٍ) قال مرمولة.
حدثنا ابن عيد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، في قوله: (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) قال: مرملة مشبكة.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) الوضن: التشبيك والنسج، يقول: وسطها مشبك منسوج.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) الموضونة: المرمولة بالجلد ذاك الوضين منسوجة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنها مصفوفة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) يقول: مصفوفة.
وقوله: (مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ) يقول تعالى ذكره متكئين على السُّرر الموضونة، متقابلين بوجوههم، لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.
كما حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) قال: لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه، وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله (مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ).
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، في قراءة عبد الله، يعني ابن مسعود (مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ).
وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع، وذكرنا ما فيه من الرواية.
وقوله: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ) يقول تعالى ذكره: يطوف على هؤلاء السابقين الذين قرّبهم الله في جنات النعيم، ولدان على سنّ واحدة، لا يتغيرون ولا يموتون.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (مُخَلَّدُونَ) قال: لا يموتون.
وقال آخرون: عني بذلك أنهم مقرّطون مسوّرون.
والذي هو أولى بالصواب في ذلك قول من قال معناه: إنهم لا يتغيرون، ولا يموتون، لأن ذلك أظهر معنييه، والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط: إنه لمخلد، وإنما هو مفعل من الخلد.
وقوله: (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ) والأكواب: جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه، ولم يكن له خرطوم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (بِأَكْوَابٍ) قال: الأكواب: الجرار من الفضة.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ) قال: الأباريق: ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذان.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: الأكواب ليس لها آذان.
حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سئل الحسن عن الأكواب، قال: هي الأباريق التي يصبّ لهم منها.
حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي، قال: مر أبو صالح صاحب الكلبي قال: فقال أبي، قال لي الحسن وأنا جالس: سله، فقلت: ما الأكواب؟ قال: جرار الفضة المستديرة أفواهها، والأباريق ذوات الخراطيم.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد (بِأَكْوَابٍ) قال: ليس لها عرى ولا آذان.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ) والأكواب التي يغترف بها ليس لها خراطيم، وهي أصغر من الأباريق.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ) قال: الأكواب التي دون الأباريق ليس لها عُرًى.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: الأكواب جرار ليست لها عرى، وهي بالنبطية كوبا، وإياها عنى الأعشى بقوله:
صَرِيفيٌَّةٌ طَيِّبٌ طَعْمُها لَهَا زَبَدٌ بَينَ كُوب ودَنٌ (١)
وأما الأباريق: فهي التي لها عرى.
وقوله: (وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) وكأس خمر من شراب معين، ظاهر
(١) وهذا الشاهد كذلك لأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه طبعة القاهرة ١٧) والصريفية: الخمر المنسوبة إلى صريفون، وهو موضع بالعراق مشهور بجودة خمره. وقيل سماها صريفية لأنها أخذت من الدن ساعتئذ، كاللبن الصريف. وقيل نسبت إلى صريفين، وهو نهر يتخلج من الفرات. والصريف أيضا: الخمر التي لم يمزج بالماء. والكوب: الكوز لا عروة له. والدن: وعاء الخمر. والزبد ما يعلو الخمر من الرغوة إذا تحركت في الدن، أو صبت من الإبريق في الكأس.
العيون، جار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) : قال الخمر.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) أي من خمر جارية.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الكأس: الخمر.
حدثنا أبو سنان، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة، في قوله: (وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) قال: الخمر الجارية.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، مثله.
وقوله: (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) يقول: لا تصدع رءوسهم عن شربها فتسكر.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني إسماعيل بن موسى السديّ، قال: أخبرنا شريك، عن سالم، عن سعيد، قوله: (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) قال: لا تصدّع رءوسهم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) ليس لها وجع رأس.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة (لا
يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) قال: لا تصدع رءوسهم.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) يقول: لا تصدّع رءوسهم.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) يعني: وجع الرأس.
وقوله: (وَلا يُنزفُونَ) اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأت عامة قرّاء المدينة والبصرة (يُنزفُونَ) بفتح الزاي، ووجهوا ذلك إلى أنه لا تنزف عقولهم. وقرأته عامة قرّاء الكوفة (لا يُنزفُونَ) بكسر الزاي بمعنى: ولا ينفد شرابهم.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب فيها الصواب.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك على نحو اختلاف القرّاء فيه. وقد ذكرنا اختلاف أقوالهم في ذلك، وبيَّنا الصواب من القول فيه في سورة الصافات، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع، غير أنا سنذكر قول بعضهم في هذا الموضع لئلا يظنّ ظانّ أن معناه في هذا الموضع مخالف معناه هنالك.
* ذكر قول من قال منهم: معناه لا تنزف عقولهم:
حدثنا إسماعيل بن موسى، قال: أخبرنا شريك، عن سالم، عن سعيد (وَلا يُنزفُونَ) قال: لا تنزف عقولهم.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد (وَلا يُنزفُونَ) قال: لا تنزف عقولهم.
وحدثنا ابن حُميد، مرة أخرى فقال: ولا تذهب عقولهم.
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَلا يُنزفُونَ) لا تنزف عقولهم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: (وَلا

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
الْمَسْجِدِ وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ «١»، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ كَمَا أُمِرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] وَقَالَ تَعَالَى: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الحديد: ٢١] وقال فمن سابق في هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَزَّازُ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا رَبِّ جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ، فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكَانَ. ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَلَفْظُهُ: فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَنْ أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قلت له كن فكان.

[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ١٣ الى ٢٦]

ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)
بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هؤلاء السابقين المقربين أَنَّهُمْ ثُلَّةٌ أَيْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ الأولين والآخرين فقيل: المراد بالأولين الأمم الماضية وبالآخرين هذه الأمة، وهذا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهَا عَنْهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ وَلَا عَزَاهُ إِلَى أَحَدٍ.
وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنُ الطَّبَّاعِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
لَمَّا نَزَلَتْ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي» وَرَوَاهُ الإمام
(١) تفسير الطبري ١١/ ٦٢٧.
أَحْمَدُ «١» عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بَيَّاعِ الْمِلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: لما نزلت إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ذُكِرَ فِيهَا ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَّا؟ قَالَ: فَأُمْسِكَ آخِرُ السُّورَةِ سَنَةً ثُمَّ نَزَلَ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عُمَرُ تَعَالَ فَاسْمَعْ مَا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَمَ إِلَيَّ ثُلَّةً وَأُمَّتِي ثُلَّةٌ، وَلَنْ نَسْتَكْمِلَ ثُلَّتَنَا حَتَّى نَسْتَعِينَ بِالسُّودَانِ مِنْ رُعَاةِ الْإِبِلِ مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ عُرْوَةَ بْنِ رَوَيْمٍ إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَقَدْ وَرَدَتْ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ وَهُوَ مُفْرَدٌ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا فِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مجموع الأمم بهذه الأمة، والظاهر أن لمقربين مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ الراجح، هو أن يكون المراد بقوله تعالى: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ أَيْ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ الْمُزَنِيُّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فقال:
ما السَّابِقُونَ فَقَدْ مَضَوْا وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أصحاب الْيَمِينِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو لوليد، حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ قال ثُلَّةٌ مِمَّنْ مَضَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَحَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمِنْقَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ أَوْ يَرْجُونَ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أن تعم الآية جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الذين يلونهم» «٢» الحديث بتمامه.
(١) المسند: ٢/ ٣٩١.
(٢) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي ﷺ باب ١، والترمذي في الفتن باب ٤٥، وابن ماجة في الأحكام باب ٢٧، وأحمد في المسند ١/ ٣٧٨.
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ أَبُو عُمَرَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» فَهَذَا الْحَدِيثُ، بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَوَّلِ الْأُمَّةِ فِي إِبْلَاغِهِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أَوَاخِرِهَا وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَى السُّنَّةِ وروايتها وإظهارها، والفضل للمتقدم وكذلك الزرع هو محتاج إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكد، فإنه لو لاه مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ» وَفِي لَفْظٍ «حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله تعالى وَهُمْ كَذَلِكَ» «٢» وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا، وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَفِي لَفْظٍ «مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا- وَفِي آخَرَ- مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ ألفا «٣».
وقال الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يزيد الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَمُ يَعْنِي ابْنَ زُرْعَةَ عَنْ شُرَيْحٍ هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا وَالَّذِي نفسي بيده لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ».
وحسن أن يذكر هاهنا عند قوله تعالى: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ حَيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بْنُ مَطَرٍ، أخبرنا جعفر بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الوليد بن عبد الملك بن عبد اللَّهِ بْنِ مُسَرِّحٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ الْحَرَّانِيُّ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بْنِ ربعي ابْنِ زَمْلٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا صلى الصبح يقول وهو ثان رجليه «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا» سَبْعِينَ مَرَّةً ثُمَّ يَقُولُ: «سَبْعِينَ بِسَبْعِمِائَةٍ لَا خَيْرَ لِمَنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ» ثُمَّ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا ثُمَّ يَقُولُ «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شيئا؟» قال ابن زمل:
(١) المسند ٤/ ٣١٩.
(٢) أخرجه البخاري في الاعتصام باب ١٠، ومسلم في الإيمان حديث ٢٤٧.
(٣) أخرجه البخاري في اللباس باب ١٨، ومسلم في الإيمان حديث ٣٦٩، ٣٧٠، ٣٧٣.
فَقُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ «خَيْرٌ تَلْقَاهُ، وَشَرٌّ تُوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا، وَشَرٌّ عَلَى أعدائنا الحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اقْصُصْ رُؤْيَاكَ» فَقُلْتُ: رَأَيْتُ جميع الناس على طريق رحب سهل لا حب «١» وَالنَّاسُ عَلَى الْجَادَّةِ «٢» مُنْطَلِقِينَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَشَفَى «٣» ذَلِكَ الطَّرِيقُ عَلَى مَرْجٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ، يَرِفُّ رَفِيفًا يَقْطُرُ مَاؤُهُ فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَأِ، قَالَ وَكَأَنِّي بِالرَّعْلَةِ «٤» الْأَوْلَى حِينَ أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا ثُمَّ أَكَبُّوا»
رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَظْلِمُوهُ «٦» يَمِينًا وَلَا شِمَالًا، قَالَ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مُنْطَلِقِينَ، ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا ثُمَّ أَكَبُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ «٧» وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ «٨»، وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ، قَالَ ثُمَّ قَدِمَ عِظَمُ النَّاسِ «٩»، فَلَمَّا أَشَفَوْا عَلَى الْمَرْجِ كَبَّرُوا وَقَالُوا هَذَا خَيْرُ الْمَنْزِلِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَمِيلُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ لَزِمْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى آتِيَ أَقْصَى الْمَرْجِ، فَإِذَا أَنَا بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ فِيهِ سَبْعُ دَرَجَاتٍ وَأَنْتَ فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَإِذَا عَنْ يَمِينِكَ رَجُلٌ آدَمُ شَثْلٌ «١٠» أَقْنَى «١١» إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ يَسْمُو فَيَفْرَعُ «١٢» الرِّجَالَ طُولًا، وَإِذَا عَنْ يَسَارِكَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ بَاذٌّ «١٣» كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ «١٤»، كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ «١٥» إِذَا هُوَ تَكَلَّمَ أَصْغَيْتُمْ إِكْرَامًا لَهُ، وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ رَجُلٌ شَيْخٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِكَ خَلْقًا ووجها كلكم تأمونه تُرِيدُونَهُ وَإِذَا أَمَامَ ذَلِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ شَارِفٌ «١٦»، وَإِذَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا.
قَالَ: فَامْتَقَعَ لَوْنُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أما مَا رَأَيْتَ مِنَ الطَّرِيقِ السَّهْلِ الرَّحْبِ اللَّاحِبِ، فذاك ما حملتكم عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَرْجُ الذي
(١) لاحب: واسع لا ينقطع.
(٢) الجادة: وسط الطريق.
(٣) أشفى: أي أشرف.
(٤) الرعلة: القطعة من الفرسان.
(٥) أكبّوا رواحلهم في الطريق: أي ألزموها الطريق.
(٦) لم يظلموه: أي لم يعدلوا عنه.
(٧) المرتع: هو الذي يخلي ركابه ترتع. [.....]
(٨) الضغث: ملء اليد من الحشيش المختلط.
(٩) عظم الناس: معظمهم.
(١٠) الشثل: الغليظ الأصابع خشنها.
(١١) الأقنى: ارتفاع في أعلى الأنف واحديداب في وسطه.
(١٢) يفرع الرجال طولا: أي يعلوهم.
(١٣) يقال: باذ الهيئة: أي رث الهيئة، وهي صفة للتواضع.
(١٤) كثير خيلان الوجه الخال: الشامة في الوجه.
(١٥) حمّم شعر بالماء: أي سوّد، لأن الشعر إذا غسل بالماء ظهر سواده.
(١٦) الشارف: الناقة المسنة.
رأيت فالدنيا وغدارة عيشها، مَضَيْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي لَمْ نَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ وَلَمْ تَتَعَلَّقْ مِنَّا وَلَمْ نُرِدْهَا وَلَمْ تُرِدْنَا، ثُمَّ جَاءَتِ الرَّعْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَعْدِنَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا أَضْعَافًا، فَمِنْهُمُ الْمُرْتِعُ وَمِنْهُمُ الْآخِذُ الضِّغْثَ وَنَجَوْا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ عِظَمُ النَّاسِ فَمَالُوا فِي الْمَرْجِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَمَّا أَنْتَ فَمَضَيْتَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، فَلَنْ تَزَالَ عَلَيْهَا حَتَّى تَلْقَانِي، وَأَمَّا الْمِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ سَبْعَ دَرَجَاتٍ وَأَنَا فِي أَعْلَاهَا دَرَجَةً فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، أَنَا فِي آخِرِهَا أَلْفًا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي الْآدَمُ الشَّثْلُ فَذَلِكَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا تَكَلَّمَ يَعْلُو الرِّجَالِ بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ، وَالَّذِي رَأَيْتَ عن يساري الباذ الرِّبْعَةُ الْكَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ كَأَنَّمَا حُمِّمَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ، فَذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ نُكْرِمُهُ لِإِكْرَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ، وَأَمَّا الشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَوَجْهًا فَذَاكَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ كُلُّنَا نَؤُمُّهُ وَنَقْتَدِي بِهِ، وَأَمَّا النَّاقَةُ الَّتِي رَأَيْتَ وَرَأَيْتَنِي أَبْعَثُهَا فَهِيَ السَّاعَةُ عَلَيْنَا تَقُومُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي «قَالَ: فَمَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رُؤْيَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ فَيُحَدِّثُهُ بِهَا مُتَبَرِّعًا.
وَقَوْلُهُ تعالى: عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ يَعْنِي مَنْسُوجَةٌ بِهِ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، وقال ابن جرير «١»
:
ومنه يسمى وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ، وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الجنة مضفورة بالذهب واللئالئ.
وقوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ أَيْ وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ أَيْ مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ لا يتكبرون عَنْهَا وَلَا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ، وَالْأَبَارِيقُ التي جمعت الوصفين والكؤوس الْهَنَابَاتُ، وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِينٍ، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ بَلْ من عيون سارحة.
وقوله تعالى: لَا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ أَيْ لَا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ، وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: السُّكْرُ، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ، فَذَكَرَ اللَّهُ تعالى خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطِيَّةُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْها يَقُولُ لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: وَلا يُنْزِفُونَ أي لا تذهب بعقولهم.
وقوله تعالى: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ أَيْ وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ على صفة التخير لها، ويدل على
(١) تفسير الطبري ١١/ ٦٢٨.
ذَلِكَ حَدِيثُ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُسْنَدِهِ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْرَاشٍ عَنْ أَبِيهِ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ فِي صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَقَدِمْتُ عَلَيْهِ بِإِبِلٍ كَأَنَّهَا عُرُوقُ الْأَرَطَّى «١» قَالَ: «مَنِ الرَّجُلُ؟» قُلْتُ: عِكْرَاشُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، قَالَ «ارْفَعْ فِي النَّسَبِ» فَانْتَسَبْتُ لَهُ إِلَى مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهَذِهِ صَدَقَةُ مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: «هَذِهِ إِبِلُ قَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي» ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنَّ تُوسَمَ بِمِيسَمِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَتُضَمَّ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ: «هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟» فأتينا بجفنة كالقصعة كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرِ «٢»، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهَا فَأَقْبَلْتُ أُخَبِّطُ بِيَدِي فِي جَوَانِبِهَا فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى فَقَالَ: يَا عِكْرَاشُ، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ. ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ أَوْ رُطَبٌ شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ رُطَبًا كَانَ أَوْ تَمْرًا، فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدِي وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّبَقِ وَقَالَ: يَا عِكْرَاشُ، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ. ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ وَمَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: «يَا عِكْرَاشُ هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ» «٣».
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٤» : حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ وَعَفَّانُ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، قَالُوا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا، فَرُبَّمَا رَأَى الرَّجُلُ الرُّؤْيَا فَسَأَلَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يعرفه، فإذا أثنى عليه معروف كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ كَأَنِّي أُتِيتُ فَأُخْرِجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَأُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَسَمِعْتُ وَجْبَةً انْتَحَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَفُلَانُ بْنُ فُلَانٍ فَسَمَّتِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَعَثَ سِرِّيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ «٥» تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَقِيلَ اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ أَوْ الْبَيْذَخِ، قَالَ فَغُمِسُوا فِيهِ فَخَرَجُوا وَوُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأُتُوا بِصَحْفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا بُسْرٌ، فَأَكَلُوا مِنْ بسره ما شاؤوا فَمَا يُقَلِّبُونَهَا مِنْ وَجْهٍ إِلَّا أَكَلُوا مِنَ الفاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم فأتى البشير من تلك السرية، فقال ما كان
(١) الأرطى: شجر عروقه حمر طوال.
(٢) الوذر: قطع من اللحم لا عظم فيها، واحدتها: وذرة.
(٣) أخرجه الترمذي في الأطعمة باب ٤١، وابن ماجة في الأطعمة باب ١١.
(٤) المسند ٣/ ١٣٥. [.....]
(٥) ثياب طلس: ثياب مغبرة.
من رؤيا كذا وكذا فأصيب فُلَانٌ وَفُلَانٌ حَتَّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرْأَةَ، فَقَالَ قُصِّي رُؤْيَاكِ، فَقَصَّتْهَا وَجَعَلَتْ تَقُولُ فَجِيءَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَمَا قَالَ. هَذَا لَفْظُ أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «إن الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثَمَرَةً فِي الْجَنَّةِ عَادَتْ مكانها أخرى».
وقوله تعالى: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ يَرْعَى فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ الله إن هذه لطير ناعمة، فقال «آكلها أَنْعَمُ مِنْهَا- قَالَهَا ثَلَاثًا- وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تكون ممن يأكل منها» انفرد بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ صِفَةِ الجنة من حديث إسماعيل بن علي الخطمي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْخُيُوطِيِّ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ زُرْعَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طُوبَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ هَلْ بَلَغَكَ مَا طُوبَى؟» قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ مَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا وَرَقُهَا الْحُلَلُ يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا؟ قَالَ «أَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُهُ وَأَنْتَ مِنْهُمْ إن شاء الله تعالى» وقال قتادة في قوله تعالى: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وذكر لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إني أرى طيرها ناعمة كأهلها نَاعِمُونَ، قَالَ «مَنْ يَأْكُلُهَا وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ أَنْعَمُ مِنْهَا وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا يَا أَبَا بَكْرٍ».
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الْكَوْثَرِ فَقَالَ: «نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي الْجَنَّةِ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ» فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا» «٢» وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ حَسَنٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله بن الوليد الرصافي عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم
(١) المسند ٣/ ٢٢١.
(٢) أخرجه الترمذي في صفة الجنة باب ١٠.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي : لا تصدعهم رءوسهم كما تصدع خمرة الدنيا رأس شاربها.
ولا هم عنها ينزفون، أي : لا تنزف عقولهم، ولا تذهب أحلامهم منها، كما يكون لخمر الدنيا.
والحاصل(١) : أن جميع  ما في الجنة من أنواع النعيم الموجود جنسه في الدنيا، لا يوجد في الجنة فيه آفة، كما قال تعالى :﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ وذكر هنا خمر الجنة، ونفى عنها كل آفة توجد في الدنيا.
١ - في ب: كل..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٧} ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾.
أي: يدور على أهل الجنة لخدمة وقضاء حوائجهم، ولدان صغار الأسنان، في غاية الحسن والبهاء، ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أي: مستور، لا يناله ما يغيره، مخلوقون للبقاء والخلد، لا يهرمون ولا يتغيرون، ولا يزيدون على أسنانهم.
ويدورون عليهم بآنية شرابهم ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ وهي التي لا عرى لها، ﴿وَأَبَارِيقَ﴾ الأواني التي لها عرى، ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي: من خمر لذيذ المشرب، لا آفة فيها.
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: لا تصدعهم رءوسهم كما تصدع خمرة الدنيا رأس شاربها.
ولا هم عنها ينزفون، أي: لا تنزف عقولهم، ولا تذهب أحلامهم منها، كما يكون لخمر الدنيا.
والحاصل: أن جميع (١) ما في الجنة من أنواع النعيم الموجود جنسه في الدنيا، لا يوجد في الجنة فيه آفة، كما قال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ وذكر هنا خمر الجنة، ونفى عنها كل آفة توجد في الدنيا.
﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: مهما تخيروا، وراق في أعينهم، واشتهته نفوسهم، من أنواع الفواكه الشهية، والجنى اللذيذ، حصل لهم على أكمل وجه وأحسنه.
﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي: من كل صنف من الطيور يشتهونه، ومن أي جنس من لحمه أرادوا، وإن شاءوا مشويا، أو طبيخا، أو غير ذلك.
﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أي: ولهم حور عين، والحوراء: التي في عينها كحل وملاحة، وحسن وبهاء، والعين: حسان الأعين وضخامها (٢) وحسن العين في الأنثى، من أعظم الأدلة على حسنها وجمالها.
﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أي: كأنهن اللؤلؤ الأبيض الرطب الصافي البهي، المستور عن الأعين والريح والشمس، الذي يكون لونه من أحسن الألوان، الذي لا عيب فيه بوجه من الوجوه، فكذلك الحور العين، لا عيب فيهن [بوجه]، بل هن كاملات الأوصاف، جميلات النعوت.
فكل ما تأملته منها لم تجد فيه إلا ما يسر الخاطر (٣) ويروق الناظر.
وذلك النعيم المعد لهم ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فكما حسنت منهم الأعمال، أحسن الله لهم الجزاء، ووفر لهم الفوز والنعيم.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا﴾ أي: لا يسمعون في جنات النعيم كلاما يلغى، ولا يكون فيه فائدة، ولا كلاما يؤثم صاحبه.
﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ أي: إلا كلاما طيبا، وذلك لأنها دار الطيبين، ولا يكون فيها إلا كل طيب، وهذا دليل على حسن أدب أهل الجنة في خطابهم فيما بينهم، وأنه أطيب كلام، وأسره للنفوس (٤) وأسلمه من كل لغو وإثم، نسأل الله من فضله.
(١) في ب: كل.
(٢) كذا في ب، وفي أ: ضخام الأعين.
(٣) في ب: القلب.
(٤) في ب: للقلوب.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٣ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير التستري — سهل التستري تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا
لَا تُصَدَّعُ مِنْهَا رُؤُوسُهُمْ.
وَلَا يُنزِفُونَ
لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ.

إعراب الآية ١٩ من سورة الواقعة

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الواقعة (٥٦) : آية ١٧]

يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)
ذكر الفرّاء «١» معناه على سنّ واحد لا يتغيّرون كأنه مشتقّ من الولادة إلّا أنه يقال:
وليد بين الولادة بفتح الواو.

[سورة الواقعة (٥٦) : آية ١٨]

بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)
بِأَكْوابٍ اجتزئ بالجمع القليل عن الكثير. وَأَبارِيقَ لم ينصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد. وَكَأْسٍ واحد يؤدي عن الجمع، وروى عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ قال: الخمر، وقال الضحّاك: كل كأس في القرآن فهي الخمر، وقال قتادة: من معين من خمر ترى بالعيون.

[سورة الواقعة (٥٦) : آية ١٩]

لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩)
لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ «٢» فنفى عن الخمر ما يلحق من آفاتها من السكر والصداع، وقيل: «يصدّعون عنها» يفرّقون عن قلّى.

[سورة الواقعة (٥٦) : آية ٢٠]

وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)
أي يتخيّرونها وحذفت الهاء لطول الاسم.

[سورة الواقعة (٥٦) : آية ٢١]

وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)
أهل التفسير منهم من يقول: يخلق الله جلّ وعزّ لهم لحما على ما يشتهون من شواء أو طبيخ من جنس الطير، ومنهم من يقول: بل هو لحم طير على الحقيقة. وبهذا جاء الحديث عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما هو إلّا أن تشتهي الطائر في الجنّة وهو يطير فيقع بين يديك مشويّا» «٣».

[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٢٢ الى ٢٣]

وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)
وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وشيبة ونافع، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وَحُورٌ عِينٌ «٤» بالخفض، وحكى سيبويه والفرّاء أنّ في قراءة أبيّ بن كعب وحورا عينا «٥» بالنصب، وزعم سيبويه «٦» أنّ الرفع محمول على
(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٢٢.
(٢) انظر تيسير الداني ١٦٨، والبحر المحيط ٨/ ٢٠٥ (قرأ الجمهور «ولا ينزفون» مبنيا للمفعول).
(٣) انظر تفسير القرطبي ١٧/ ٣٤.
(٤) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٠٦، وتيسير الداني ١٦٨.
(٥) انظر معاني الفراء ٣/ ١٢٤.
(٦) انظر الكتاب ١/ ٢٢٨.
المعنى لأن المعنى فيها أكواب وأباريق وكأس من معين وفاكهة ولحم طير وحور أي ولهم حور عين وأنشد «١» :[الكامل] :
٤٥١-
بادت وغيّر ايهنّ مع البلىإلّا رواكد جمرهنّ هباء
ومشجّج أمّا سوعاء قذالهفبدا وغيّر ساره المعزاء
فرفع ومشجّج على المعنى لأن المعنى بها رواكد وبها مشجّج. والقراءة بالرفع اختيار أبي عبيد لأن الحور لا يطاف بهن، واختار الفرّاء «٢» الخفض واحتج بأن الفاكهة واللحم أيضا لا يطاف بهما وإنما يطاف بالخمر. وهذا الاحتجاج لا ندري كيف هو إذ كان القراء قد أجمعوا على القراءة بالخفض في قوله جلّ وعزّ: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) فمن أين له أنه لا يطاف بهذه الأشياء التي ادّعى أنه لا يطاف بها؟ وإنما يسلّم في هذا لحجّة قاطعة أو خبر يجب التسليم له. واختلفوا في قوله جلّ وعزّ: وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كما ذكرت والخفض جائز على أن يحمل على المعنى لأن المعنى ينعمون بهذه الأشياء وينعمون بحور عين، وهذا جائز في العربية كثير. كما قال: [الكامل] ٤٥٢-
علفتها تبنا وماء بارداحتّى شتت همّالة عيناها
«٣» فحملت على المعنى، وقال أخر: [مجزوء الكامل] ٤٥٣-
يا ليت زوجك قد غدامتقلّدا سيفا ورمحا
«٤» وقال أخر: [الوافر] ٤٥٤-
إذا ما الغانيات برزن يوماوزجّجن الحواجب والعيونا
«٥» والعيون لا تزجّج فحمله على المعنى. فأما «وحورا عينا» فهو أيضا محمول على المعنى لأن معنى الأول يعطون هذا ويعطون حورا، كما قال «٦» :[البسيط] ٤٥٥-
جئني بمثل بني بدر لقومهمأو مثل أسرة منظور بن سيّار
(١) مرّ الشاهد رقم (٣٦).
(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٢٤. [.....]
(٣) الشاهد لذي الرمة في ديوانه ٦٦٤، والخزانة ١/ ٤٩٩، وبلا نسبة في معاني الفراء ١/ ١٤، وديوان المفضليات ٢٤٨، واللسان (علف).
(٤) مرّ الشاهد رقم (١٢٢).
(٥) الشاهد للراعي النميري في ديوانه ٢٦٩، والدرر ٣/ ١٥٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٥، ولسان العرب (زجج)، والمقاصد النحوية ٣/ ٩١، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ٢١٢، والإنصاف ٢/ ٦١٠، وأوضح المسالك ٢/ ٤٣٢، وتذكرة النحاة ص ٦١٧، والخصائص ٢/ ٤٣٢، والدرر ٦/ ٨٠، وشرح الأشموني ١/ ٢٢٦، وشرح التصريح ١/ ٣٤٦، وشرح عمدة الحافظ ص ٦٣٥.
(٦) مرّ الشاهد رقم (١٣٥).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٩ من سورة الواقعة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

يُنزِفُونَ

(يُنزَفُونَ) بفتح الزاي

ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر قالون عن نافع روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر

(يُنزِفُونَ) بكسر الزاي

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٩ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٩ أقوال
١
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾، قال: لا تُصدّع رؤوسهم، ولا تذهب عقولهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٢٩٩-٣٠٠ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢
عن عكرمة مولى ابن عباس، في قوله: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾، قال: أهل الجنة يأكلون ويشربون، ولا يُنزَفون كما يُنزَف أهل الدنيا إذا أكثروا الطعام والشراب. يقول: لا يَملّوا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣
عن محمد بن كعب القُرَظيّ -من طريق أبي صخر- يقول: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾، قال: لا تُصدّع رؤوسهم، ولا تُنزَف عقولهم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع -تفسير القرآن ٢‏/‏١٥١ (٣٠٧).
٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾، قال: ليس فيها وجع الرأس، ولا يُغلَب أحدٌ على عقله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٢٩٧، ٢٩٩، ٣٠١، وبنحوه من طريق أبي هلال. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ فتوجع رؤوسهم، ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ بها١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢١٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢نقل ابنُ عطية (٨/١٩٤) في معنى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ عن قوم أنّ المعنى: «لا يتفرقون عنها». ثم وجَّهه بقوله: «بمعنى: لا تُقطَع عنهم لذتهم بسبب من الأسباب، كما يفرق أهل خمر الدنيا بأنواع من التفريق، وهذا كما قال: «يتصدَّعُ السحاب عن المدينة...» الحديث».
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح-: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ عن الخمر، ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ لا تذهب بعقولهم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٧
عن سعيد بن جُبَير -من طريق سالم- في قوله: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾، قال: لا تُصدّع رؤوسهم، ولا تُنزَف عقولهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٢٩٨-٣٠٠، وابن أبي شيبة ١٣‏/‏١٣٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٨
عن سعيد -من طريق يزيد- في قوله: ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾، قال: لا يُغلَب أحدٌ على عقله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٣٠٠.
٩
عن مجاهد بن جبر -من طريق منصور- في قوله: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾، قال: لا تُصدّع رؤوسهم، ولا يقيئونها. وفي لفظ: ولا تُنزَف عقولهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٣٠٠، وابن أبي شيبة ١٣‏/‏١٣٩، وهناد (٦٩-٧٣). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
التفسير بالمأثور لسورة الواقعة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٩ من سورة الواقعة

٤ وقفات في هذه الآية

  • تدبرات وتأملات ، سورة الواقعة أية 19

    — عبدالله الغفيلي

  • (لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ) يأكلون ويشربون دون خوف من عواقب طعامهم وشرابهم انتهت دنيا الصداع والتحاليل والسكر والأملاح والحميات

    — لطيفة سعد

  • *ما الفرق بين قوله تعالى (ولا يُنزفون) في سورة الواقعة وقوله (ولا هم عنها ينزفون) في سورة الصافات؟(د.فاضل السامرائي) قال تعالى في سورة الواقعة (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ {19}) وفي سورة الصافات (لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ {47}). وكلمة يُنزفون من أنزف لها معنيين: أنزف يُنزف بمعنى سكِر وبمعنى نفذ شرابه وانقطع، ويقال أنزف القوم إذا نفذ شرابهم وهو فعل لازم غير متعدي. ويُنزف فعل متعدي معناه سكِر وذهب عقله من السكر. إذا استعرضنا الآيات في السورتين لوجدنا ما يلي: سورة الواقعة سورة الصافات وردت يُنزفون في السابقين وشرح أحوال السابقين وجزاؤهم ونعيمهم في الجنّة. وفي الجنة صنفين من أصناف المؤمنين السابقون وهم قِلّة وفي درجات عليا وردت في عباد الله الآخِرين وهم أقلّ درجة من السابقين. ذكر (وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون) في الآية تخيير وزيادة لحم طير (أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون) لا يوجد تخيير هنا (أولئك المقربون في جنات النعيم) التقريب هو الإكرام وزيادة (وهم مكرمون في جنات النعيم) (على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين) التنعّم هنا أكثر : موضونة، إتّكاء، تقابل (على سرر متقابلين) لم يذكر إلا التقابل فقط (يطوف عليهم ولدان مخلدون) تحديد الولدان المخلدون (يُطاف عليهم) الفاعل مبني للمجهول ولم يُحدد (بأكواب وأباريق وكأس من معين) زيادة وتنويع في الأواني لتنوع الأشربة (كأس من معين) كأس واحد فقط (لا يصدّعون عنها ولا يُنزفون) لا يصيبهم صداع ونفي الصداع نفي لما هو أكبر وهو الغول. والآية تدل على أن خمر الجنة لا تُسكر ولا ينقطع الشراب فالتكريم هنا أعلى من سورة الصافات. (لا فيها غول ولا هم يُنزفون) الغول إما للإفساد والإهلاك وإما اغتيال العقول، لا تهلك الجسم ولا تفسده ولا تسكره. ونفي الغول لا ينفي الصداع. وإذا كان المقصود بالغول إفساد العقول فالغول وينزفون بمعنى واحد لكن الأول يكون صفة المشروب والثانية صفة الشارب (حور عين كأنهم لؤلؤ مكنون) ذكر صنفين والوصف هنا جاء أعلى (وعندهم قاصرات الطرف عين) صفة واحدة من صفات حور الجنة (بيض مكنون). (لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيما إلا قيلاً سلاماً سلاما) نفي لسماع أي لغو ولم ترد في الصافات لم يرد شيء عن نفي سماع اللغو (يطوف عليهم) بما أن يُنزفون مبنية للمعلوم ناسب أن يقال (يطوف عليهم) مبنية للمعلوم أيضاً (ينزفون) مبنية للمجهول فناسب أن يقال (يُطاف عليهم) مبنية للمجهول. ففي سورة الواقعة إذن دلّ السياق على الإكرام وزيادة والسُرر وزيادة والكأس وزيادة والعين وزيادة ونفى السُكر وزيادة ونفى اللغو وزيادة.

    — فاضل السامرائي

  • ( لا فيها غول ولا هم عنها ينزَفون ) الصافات ( لا يصدّعون عنها ولا ينزِفون ) الواقعة - كلتا الآيتين في مدح خمر الجنّة - لكن آية الواقعة أعلى وأكمل مدحًا من آية الصافات. 1- ذلك أن آية الواقعة قال ( لا يصدعون ) أي لا يصيبهم منها صداع فنفى الأدنى . أما في الصافات قال ( غول ) والغول القتل فنفي الأعلى . 2- ومما يعزز ويقوي ما قلت أن في آية الصافات جاء الفعل فيها مبنيايًا للمجهول ( ينزَفون ) وفي آية الواقعة جاء الفعل فيها مبن يًا للمعلوم ( ينزِ فون ) والفعل المبنى للمعلوم أكمل وأتم وأعلى من الفعل المبني للمجهول لذا آية الواقعة أعلى وأكمل وأتم والله أعلم .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

ترجمات معاني الآية ١٩ من سورة الواقعة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(19) No headache will they have therefrom, nor will they be intoxicated -
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال