اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ﴾.
يجوز أن تكون مستأنفة، أخبر عنهم بذلك.
وأن تكون حالاً من الضمير في «عليهم ».
ومعنى ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي : بسببها.
قال الزمخشري(١) : وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها.
والصُّدَاع ؛ هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، والخمر تؤثر فيه.
قال علقمةُ بن عبدة في وصف الخمر :[ البسيط ]
تَشْفِي الصُّدَاعَ ولا يُؤذيكَ حَالبُهَاولا يُخالِطُهَا في الرَّأسِ تدويمُ(٢)
قال أبو حيان(٣) : هذه صفة خمر أهل الجنة، كذا قال الشيخ أبو جعفر بن الزبير لما قرأت هذا الدِّيوان عليه.
والمعنى لا يتصدع رءوسهم من شربها، أي : أنها لذة بلا أذى، بخلاف شراب الدنيا.
وقيل :«لا يُصدَّعون » لا يتفرَّقُون كما يتفرق الشرب من الشراب للعوارض الدنيوية، ومن مجيء «تصدع » بمعنى : تفرق، قوله : فتصدع السحاب عن المدينة، أي : تفرق.
ويرجحه قراءة مجاهد(٤) :«لا يَصَّدعون » بفتح الياء وتشديد الصاد.
والأصل :«لا يتصدعون » أي : لا يتفرقون، كقوله تعالى :﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣].
وحكى الزمخشري(٥) قراءة، وهي :«لا يُصدِّعُون » بضم الياء، وتخفيف الصَّاد، وكسر الدَّال مشددة.
قال :«أي لا يصدع بعضهم بعضاً، لا يفرقونهم ».
قوله :﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾.
تقدم الخلاف بين السبعة في «يُنْزِفُون »، وتفسيره في «والصّافات ».
وقرأ ابن(٦) إسحاق : بفتح الياء وكسر الزاي من نزف البئر، إذا استقى ما فيها.
والمعنى لا ينفدُ خمرهم.
ومنه قول الشاعر :[ الطويل ]
لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُلَبِئْسَ النَّدامَى كُنْتُم آل أبْجَرَا(٧)
وقال أبو حيان(٨) :«وابن أبي إسحاق وعبد الله والجحدري والأعمش وطلحة وعيسى : بضم الياء وكسر الزاي، أي : لا يقيء شرابهم ».
قال شهاب الدين(٩) : وهذا عجيب منه فإنه قد تقدم في «الصَّافات » أنَّ الكوفيين يقرءون في «الواقعة » بكسر الزاي، وقد نقل هو هذه القراءة في قصيدته.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال : في الخمر أربع خصال : السُّكر، والصُّداع، والقَيء، والبَوْل، وقد نزّه الله - تعالى - خمر الجنة عن هذه الخصال(١٠).
١ ينظر: الكشاف ٤/٤٦٠..
٢ تقدم..
٣ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٠٥..
٤ ينظر الكشاف ٤/٤٦٠، والبحر المحيط ٨/٢٠٥، والدر المصون ٦/٢٥٦..
٥ ينظر: الكشاف ٤/٤٦٠..
٦ ينظر المحرر الوجيز ٥/٢٤٢، والبحر المحيط ٨/٢٠٥، والدر المصون ٦/٢٥٦..
٧ تقدم..
٨ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٠٥، ٢٠٦..
٩ ينظر: الدر المصون ٦/٢٥٦..
١٠ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٣٢) من طريق الضحاك عن ابن عباس..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى