تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي
عن الكتاب
الواقعة من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها كما قال تعالى :﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة﴾ [الحاقة: ١٥] وقوله تعالى :﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أي ليس لوقوعها إذا أراد الله كونها صارف يصرفها ولا دافع يدفعها، كما قال :﴿استجيبوا لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ﴾ [الشورى: ٤٧]، وقال :﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: ١٢]، ومعنى ﴿كَاذِبَةٌ﴾ أي لا بد أن تكون، قال قتادة : ليس فيها ارتداد ولا رجعة، قال ابن جرير : والكاذبة مصدر كالعاقبة والعافية، وقوله تعالى :﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ أي تخفض أقواماً إلى أسفل سافلين إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزاء، وترفع آخرين إلى أعلى عليين إلى النعيم المقيم، وإن كانوا في الدنيا وضعاء، وعن ابن عباس :﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ تخفض أقواماً وترفع آخرين، وقال عثمان بن سراقة : الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة، وقال محمد بن كعب : تخفض رجالاً كانا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالاً كانوا في الدنيا مخفوضين، وقال السدي : خفضت المتكبرين ورفعت المتواضعين، وقوله تعالى :﴿إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً﴾ أي حركت تحريكاً فاهتزتع واضطربت بطولها وعرضها، ولهذا قال ابن عباس ومجاهد ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً﴾ أي زلزلت زلزالاً، وقال الربيع بن أنَس : ترج بما فيها كرج الغربال بما فيه، كقوله تعالى :﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١]، وقال تعالى :﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]، وقوله تعالى :﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً﴾ أي فتتت فتاً، قاله ابن عباس ومجاهد، وقال ابن زيد : صارت الجبال كما قال الله تعالى :﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]، وقوله تعالى :﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ عن علي رضي الله عنه : هباء منبثاً كرهج الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شيء، وقال ابن عباس : الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئاً، وقال عكرمة : المنبث الذي قد ذرته الريح وبثته، وقال قتادة :﴿مُّنبَثّاً﴾ كيابس الشجر الذي تذروه الرياح، وهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة، وذهابها ونسفها أي قلعها وصيرورتها كالعهن المنفوش.
وقوله تعالى :﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف : قوم عن يمين العرش، وهم الذي يؤتون كتبهم بأيمانهم، وهم جمهور أهل الجنة، وآخرون عن يسار العرش، وهم الذين يؤتون كتبهم بشمالهم ويؤخذ بهم ذات الشمال وهم عامة أهل النار، وطائفة سابقون بين يديه عزّ وجلّ وهم أحظى وأقرب من أصحاب اليمين، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهم أقل عدداً من أصحاب اليمين، لهذا قال تعالى :﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة * وَأَصْحَابُ المشأمة مَآ أَصْحَابُ المشأمة * والسابقون السابقون﴾، وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى :
وقوله تعالى :﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف : قوم عن يمين العرش، وهم الذي يؤتون كتبهم بأيمانهم، وهم جمهور أهل الجنة، وآخرون عن يسار العرش، وهم الذين يؤتون كتبهم بشمالهم ويؤخذ بهم ذات الشمال وهم عامة أهل النار، وطائفة سابقون بين يديه عزّ وجلّ وهم أحظى وأقرب من أصحاب اليمين، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهم أقل عدداً من أصحاب اليمين، لهذا قال تعالى :﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة * وَأَصْحَابُ المشأمة مَآ أَصْحَابُ المشأمة * والسابقون السابقون﴾، وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى :
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله﴾ [فاطر: ٣٢] الآية. وذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم بيانه، قال ابن عباس ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ قال : هي التي في سورة الملائكة ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] الآية. وقال يزيد الرقاشي : سألت ابن عباس عن قوله :﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ قال أصنافاً ثلاثة، وقال مجاهد :﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ يعني فرقاً ثلاثة، وقال ميمون بن مهران : أفواجاً ثلاثة، اثنان في الجنة وواحد في النار، قال مجاهد :﴿والسابقون السابقون﴾ هم الأنبياء عليهم السلام، وقال السدي : هم أهل عليين، وقال ابن سيرين ﴿والسابقون السابقون﴾ الذي صلوا إلى القبلتين، وقال الحسن وقتادة :﴿والسابقون السابقون﴾ أي من كل أمة، وقال الأوزاعي عن عثمان بن أبي سودة، أنه قرأ هذه الآية ﴿والسابقون السابقون * أولئك المقربون﴾ ثم قال : أولهم رواحاً إلى المسجد، وأولهم خروجاً في سبيل الله، وهذه الأقوال كلها صحيحة، فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات، كما أمروا، كما قال تعالى :﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال تعالى :﴿سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض﴾ [الحديد: ٢١]، فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل وكما تدين تُدان، ولهذا قال تعالى :﴿أولئك المقربون * فِي جَنَّاتِ النعيم﴾، وقال ابن أبي حاتم، قالت الملائكة : يا رب جعلت لبني آدم الدنيا فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون، فاجعل لنا الآخرة، فقال لا أفعل، فراجوا ثلاثاً، فقال : لا أجعل من خلقت بيدي، كمن قلت له كن فكان؛ ثم قرأ عبد الله :﴿والسابقون السابقون * أولئك المقربون * فِي جَنَّاتِ النعيم﴾.