اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح﴾. منصوب على الظرف، إمَّا ب «لا يَتكلَّمُونَ » بعده، وإمَّا ب «لا يَمْلِكُونَ » و«صفًّاً » حال : أي : مُصطفِّيْنَ، و«لاَ يَتَكلَّمُونَ » إمَّا حال أو مستأنف.

فصل في المراد بالروح


اختلفوا في الروح.
فقال ابن عباس : هو ملك ما خلق الله بعد العرش أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام وحده صفًّا، وقام الملائكة كلهم صفًّا(١)، ونحوه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : الرُّوح ملك أعظم من السموات السبع والأرضين السبع والجبال(٢).
وقيل : جبريل - عليه الصلاة والسلام - قاله الشعبي والضحاك وسعيد بن جبير(٣).
وروى عن ابن عباس عن النبيّ ﷺ أنه قال :«الرُّوحُ في هَذِهِ الآيةِ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللهِ لَيْسُوا مَلائِكةً لَهُمْ رُءوسٌ وأيْدٍ وأرْجُلٌ يَأكُلونَ الطَّعام، ثُمَّ قَرَأَ :﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾(٤)، وهذا قول أبي صالح، ومجاهد، وعلي - رضي الله عنهم - وعلى هذا هو خلقٌ على صورة بني آدم كالناس، وليسوا بناس، وما ينزل من السماء ملك إلاَّ ومعه واحد منهم، نقله البغوي(٥).
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - «هُمْ أرْواحُ النَّاسِ »(٦).
وقال مقاتل بن حيان : هُمْ أشراف الملائكة(٧).
وقال ابن أبي نجيحٍ : هم حفظة على الملائكة(٨).
وقال الحسن وقتادة : هم بنو آدم(٩)، والمعنى : ذو الروح.
وقال العوفي، والقرظي : هذا ممَّا كان يكتمه ابن عباس.
وقيل : أرواح بني آدم تقومُ صفًّا، فتقومُ الملائكةُ صفًّا، وذلك بين النَّفختين قبل أن تردُّ إلى الأجسادِ. قاله عطية.
وقال زيد بن أسلم : هو القرآن.
وقرأ :﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، و﴿صَفّاً﴾ مصدر ؛ أي : يقومون صفوفاً، والمصدر يغني عن الواحد والجمع كالعدل، والصوم، ويقال ليوم العيد : يوم الصف.
وقال في موضع آخر سبحانه :﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢]، وهذا يدل على الصفوف، وهذا حين العرض والحساب، قيل : هما صفان.
وقيل : يقوم الكلُّ صفًّا واحداً، «لا يتَكلَّمُونَ » أي : لا يشفعون.
قوله :﴿إِلاَّ مَنْ أَذِنَ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من «واو » يتكلَّمون، وهو الأرجح، لكونه غير موجب، وأن يكون منصوباً على أصل الاستثناء.
والمعنى : لا يشفعون إلاَّ من أذن لهُ الرحمن في الشفاعة.
وقيل : لا يتكلمون إلا في حقِّ من أذنَ له الرحمنُ، وقال صواباً.
والمعنى : لا يشفعون إلاَّ في حقِّ شخصٍ أذن الرحمن في شفاعته، وذاك الشخص كان ممن قال صواباً، والمعنى قال صواباً، يعنى :«حقًّا ». قاله الضحاك ومجاهد.
وروى الضحاكُ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : لا يشفعون إلاَّ لمن قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأصل الصَّواب : السداد من القول والفعل، وهو من أصاب يصيب إصابة، كالجواب من أجاب يجيبُ.
وقيل :«لا يتكلَّمون » يعني : الملائكة، والروح الذين كانوا صفًّا لا يتكلمون هيبة وإجلالاً إلا من أذن له الرب تعالى في الشفاعة، وهم الذين قالوا صواباً، وأنهم يوحدون الله - تعالى - ويسبِّحونه.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٤١٥)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٠٦)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ والبيهقي في "الأسماء والصفات"..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٤١٥)..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٤١٥)، عن الضحاك والشعبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٠٦)، عن الضحاك وعزاه إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ..

٤ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٠٥)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" وابن مردويه..
٥ ينظر معالم التنزيل ٤/٤٤٠..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٤١٦)..
٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٠٦)، وعزاه ابن المنذر وأبي الشيخ..
٨ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/١٢٢)..
٩ ينظر المصدر السابق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى