روح البيان — إسماعيل حقي

عن الكتاب
منه وسيلة اليه حِساباً صفة لعطاء بمعنى كافيا على انه مصدر أقيم مقام الوصف اى محسبا وقيل على حسب أعمالهم بأن يجازى كل عمل بما وعد له من الأضعاف من عشرة وسبعمائة وغير حساب فما وعده الله من المضاعفة داخل فى الحسب اى المقدار لان الحسب بفتح السين وسكونها بمعنى القدر والتقدير على هذا عطاء بحساب فحذف الجار ونصب الاسم قال بعض اهل المعرفة إذا كان الجزاء من الله لا يكون له نهاية لانه لا يكون على حد الأعواض بل يكون فوق الحد لانه ممن لا حد له ولا نهاية فعطاؤه لا حد له ولا نهاية وقال بعضهم العطاء من الله موضع الفضل لا موضع الجزاء فالجزآء على الأعمال والفضل موهبة من الله يختص به الخواص من اهل وداده وفى التأويلات النجمية ان للمتقين الذين يتقون عن نفوسهم المظلمة المدلهمة بالله وصفاته وأسمائه مفازا اى فوز ذات الله وصفاته حدائق روضات القلوب المنزهة الارضية وأعنابا أشجار المعاني والحقائق المثمرة عنب خمر المحبة الذاتية الخامرة عين العقل عن شهود الغير والغيرية وكواعب اترابا أبكارا اللطائف والمعارف وكأسا دهاقا مملوءة من شراب المحبة وخمر المعرفة لا يسمعون فيها لغوا من الهواجس النفسانية ولا كذابا من الوساوس الشيطانية جزاء من ربك عطاء حسابا اى فضلا تاما كافيا من غير عمل وقال القاشاني ان للمتقين المقابلين للطاغين المتعدين فى أفعالهم حد العدالة مما عينه الشرع والعقل وهم المتنزلون عن الرذائل وهيئات السوء من الافعال مفازا فوزا ونجاة من النار التي هى مآب الطاغين حدائق من جنان الأخلاق وأعنابا من ثمرات الافعال وهيئاتها وكواعب من صور آثار الأسماء فى جنة الافعال اترابا متساوية فى الترتيب وكأسا من لذة محبة الآثار مترعة ممزوجة بالزنجبيل والكافور لان اهل جنة الآثار والافعال لا مطمح لهم الى ماوراءها فهم محجوبون بالآثار عن المؤثر وبالعطاء عن المعطى عطاء حسابا كافيا يكفيهم بحسب هممهم ومطامح أبصارهم لانهم لقصور استعداداتهم لا يشتاقون الى ما ورلء ذلك فلا شىء ألذ لهم بحسب اذواقهم مما هم فيه رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا بدل من ربك والمراد رب كل شىء وخالقه ومالكه الرَّحْمنِ مفيض الخير والجود على كل موجود بحسب حكمته وبقدر استعداد المرحوم وهو بالجر صفة للرب وقيل صفة للاول وأياما كان ففى ذكر ربوبيته تعالى للكل ورحمته الواسعة اشعار بمدار الجزاء المذكور قال القاشاني اى ربهم المعطى إياهم ذلك العطاء هو الرحمن لان عطاياهم من النعم الظاهرة الجليلة دون الباطنة الدقيقة فمشربهم من اسم الرحمن دون غيره وفى التأويلات النجمية رب سموات الأرواح وارض النفوس وما بينهما من السر والقلب وأقواهما الروحانية هو الرحمن اى الموصوف بجميع الأسماء والصفات الجمالية والجلالية لوقوعه بين الله الجامع وبين الرحيم فله وجه الى الالوهية المشتملة على القهر وله ايضا وجه الى الرحيم الجمالي المحض لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً استئناف مقرر لما افادته الربوبية العامة من غاية العظمة والكبرياء واستقلاله تعالى بما ذكر من الجزاء والعطاء من غير أن يكون لاحد قدرة عليه وضمير لا يملكون لاهل السموات والأرض ومن فى منه صلة للتأكيد على طريقة قولهم بعت منك
اى بعتك يعنى انه صلة خطابا قدم عليه فانقلب بيانا والمعنى لا يملكون ان يخاطبوه تعالى من تلقاء أنفسهم كما ينبئ عنه لفظ الملك إذ المملوك لا يستحق على مالكه شيأ خطابا ما فى شىء ما لتفرده بالعظمة والكبرياء وتوحده فى ملكه بالأمر والنهى والخطاب والمراد نفى قدرتهم على ان يخاطبوه تعالى بشئ من نقص العذاب وزيادة الثواب من غير اذنه على ابلغ وجه وأكده كأنه قيل لا يملكون ان يخاطبوه بما سبق من الثواب والعقاب وبه يحصل الارتباط بين هذه الآية وبين ما قبلها من وعيد الكفار ووعد المؤمنين ويظهر منه ان نفى ان يملكوا خطابه لا ينافى الشفاعة باذنه قال القاشاني لانهم اى اهل الافعال لم يصلوا الى مقام الصفات فلا حظ لهم من المكالمة يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا اخر الملائكة هنا تعميما بعد التخصيص واخر الروح فى القدر تخصيصا بعد التعميم فالظاهر أن الروح من جنس الملائكة لكنه أعظم منهم خلقا ورتبة وشرفا إذ هو بمقابلة الروح الإنساني كما ان الملائكة بمقابلة القوى الروحانية ولا شك ان الروح أعظم من قواه التابعة له كالسلطان مع أمرائه وجنده ورعاياه وتفسير الروح بجبريل ضعيف وان كان هو مشتهرا بكونه روح القدس والروح الامين إذ كونه روحا ليس بالنسبة الى ذاته والا فالملائكة كلهم روحانيون وان كانوا أجساما لطيفة غير الأرواح المهمية وانما هو بالنسبة الى كونه نافخ الروح وحامل الوحى الذي هو كالروح فى الاحياء وقد اتفقوا على ان اسرافيل أعظم من جبريل ومن غيره فلو كان أحد يقوم صفا واحدا لكان هو اسرافيل دون جبرائيل والله اعلم بمراده من الروح وان اختلفت الروايات فيه هذا ما لاح لى فى هذا المقام بعون الملك العلام وصفا حال اى مصطفين لكثرتهم وقيامهم مما امر الله فى امر العباد وقيل هما صفان الروح صف والملائكة صف وقيل صفوف وهو الأوفق لقوله تعالى والملائكة صفا صفا ويوم ظرف لقوله تعالى لا يَتَكَلَّمُونَ وقوله تعالى إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً بدل من ضمير لا يتكلمون العائد الى اهل السموات والأرض الذين من جملتهم الروح والملائكة وهو أرجح لكون الكلام غير موجب والمستثنى منه مذكور وفى مثله يختار البدل على الاستثناء وذكر قيامهم واصطفافهم لتحقيق عظمة سلطانه تعالى وكبرياء ربوبيته وتهويل يوم البعث الذي عليه مدار الكلام من مطلع السورة الى مقطعها والجملة استئناف مقرر لمضمون قوله تعالى لا يتكلمون إلخ ومؤكد له على معنى ان اهل السموات والأرض إذا لم يقدروا يومئذ على ان يتكلموا بشئ من جنس الكلام الا من اذن الله له منهم فى التكلم وقال ذلك المأذون له قولا صوابا اى حقا صادقا او واقعا فى محله من غير خطأ فى قوله فكيف يملكون خطاب رب العزة مع كونه أخص من مطلق الكلام وأعز منه مراما وقيل الا من اذن إلخ منصوب على اصل الاستثناء والمعنى لا يتكلمون الا فى حق شخص اذن له الرحمن وقال ذلك الشخص صوابا اى حقا هو التوحيد وكلمة الشهادة دون غيره من اهل الشرك فانهم لم يقولوا فى الدنيا صوابا بل تفوهوا بكلمة الكفر والشرك واظهار الرحمن فى موقع الإضمار للايذان بأن مناط الاذن هو الرحمة البالغة لان أحدا يستحقه عليه تعالى وفى عرائس البقلى من كان كلامه فى الدنيا من حيث الأحوال

تفسير هذه الآية من كتب أخرى