مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي

عن الكتاب
جوزوا أن يكون :﴿مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمانه﴾، شرطاً مبتدأ وحذف جوابه ؛ لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل : من كفر بالله فعليهم غضب ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾، ساكن به. ﴿ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾، أي : طاب به نفساً واعتقده، ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وأن يكون بدلاً من :﴿الذين لا يؤمنون بآيات الله﴾، على أن يجعل :﴿وأولئك هم الكاذبون﴾، اعتراضاً بين البدل والمبدل منه. والمعنى : إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الإفتراء ثم قال :﴿ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله﴾، وأن يكون بدلاً من المبتدأ الذي هو :﴿أولئك﴾، أي : ومن كفر بالله من بعد إيمانه هم الكاذبون، أو من خبر الذي هو :﴿الكاذبون﴾، أي : وأولئك هم من كفر بالله من بعد ايمانه وأن ينتصب على الذم. رُوي أنَّ ناساً من أهل مكة فتنوا فارتدوا، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان منهم عمار، وأما أبواه ياسر وسمية فقد قتلا وهما أول قتيلين في الإسلام، فقيل لرسول الله ﷺ : إن عماراً كفر فقال :« كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنة إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه » فأتى عمار رسول الله ﷺ وهو يبكي، فجعل رسول الله ﷺ يمسح عينيه وقال :« مالك ! إن عادوا لك فعد لهم بما قلت »، وما فعل أبو عمار أفضل ؛ لأن في الصبر على القتل إعزازاً للإسلام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى