محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٠٦ من سورة النحل في ١١٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٠ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٠٦ من سورة النحل

١١٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بِالإِيمَانِ وَلََكِن مّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
اختلف أهل العربية في العامل في «مَن » من قوله :﴿مَنْ كَفَرَ باللّهِ﴾، ومن قوله :﴿وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرا﴾، فقال بعض نحويي البصرة : صار قوله :﴿فَعَلَيْهِمْ﴾، خبرا لقوله :﴿وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرا﴾، وقوله :﴿مَنْ كَفَرَ باللّهِ مِنْ بَعْدَ إيمانِهِ﴾، فأخبر لهم بخبر واحد، وكان ذلك يدلّ على المعنى. وقال بعض نحويي الكوفة : إنما هذان جزءان اجتمعا، أحدهما منعقد بالآخر، فجوابهما واحد، كقول القائل : من يأتنا فمن يحسن نكرمه، بمعنى : من يحسن ممن يأتنا نكرمه. قال : وكذلك كلّ جزاءين اجتمعا الثاني منعقد بالأوّل، فالجواب لهما واحد. وقال آخر من أهل البصرة : بل قوله :﴿مَنْ كَفَرَ باللّهِ﴾، مرفوع بالردّ على «الذين » في قوله :﴿إنّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بآياتِ اللّهِ﴾، ومعنى الكلام عنده : إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره من هؤلاء وقلبه مطمئنّ بالإيمان. وهذا قول لا وجه له، وذلك أن معنى الكلام لو كان كما قال قائل هذا القول، لكان الله تعالى ذكره قد أخرج ممن افترى الكذب في هذه الآية الذين وُلدوا على الكفر وأقاموا عليه ولم يؤمنوا قطّ، وخصّ به الذين قد كانوا آمنوا في حال، ثم راجعوا الكفر بعد الإيمان والتنزيل يدلّ على أنه لم يخصص بذلك هؤلاء دون سائر المشركين الذين كانوا على الشرك مقيمين، وذلك أنه تعالى أخبر خبر قوم منهم أضافوا إلى رسول الله ﷺ افتراء الكذب، فقال :﴿وَإذَا بَدّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللّهُ أعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ قَالُوا إنمَا أنْتَ مُفْترٍ، بَلْ أكْثرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، وكذّب جميع المشركين بافترائهم على الله، وأخبر أنهم أحقّ بهذه الصفة من رسول الله ﷺ، فقال :﴿إنما يَفْتَرِي الكَذِبَ الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بآياتِ اللّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾. ولو كان الذين عنوا بهذه الآية هم الذين كفروا بالله من بعد إيمانهم، وجب أن يكون القائلون لرسول الله ﷺ إنما أنت مفتر حين بدّل الله آية مكان آية، كانوا هم الذين كفروا بالله بعد الإيمان خاصة دون غيرهم من سائر المشركين ؛ لأن هذه في سياق الخبر عنهم، وذلك قول إن قاله قائلٌ فبين فساده، مع خروجه عن تأويل جميع أهل العلم بالتأويل.
والصواب من القول في ذلك عندي أن الرافع ل «من » الأولى والثانية، قوله :﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ﴾، والعرب تفعل ذلك في حروف الجزاء إذا استأنفت أحدهما على آخر.
وذكر أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر وقوم كانوا أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم، فثبت على الإسلام بعضهم وافتتن بعض. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :﴿مَنْ كَفَرَ باللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنّ بالإيمَانِ. . .﴾ إلى آخر الآية. وذلك أن المشركين أصابوا عمار بن ياسر فعذّبوه، ثم تركوه، فرجع إلى رسول الله ﷺ فحدّثه بالذي لقي من قريش والذي قال، فأنزل الله تعالى ذكره عذره :﴿مَنْ كَفَرَ باللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ. . .﴾ إلى قوله :﴿ولَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿مَنْ كَفَرَ باللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنّ بالإيمَانِ﴾، قال : ذُكر لنا أنها نزلت في عمار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر ميمون وقالوا : اكفر بمحمد، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فأنزل الله تعالى ذكره :﴿إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنّ بالإيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرا﴾ : أي من أتى الكفر على اختيار واستحباب، ﴿فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال : أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذّبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا. فشكا ذلك إلى النبيّ ﷺ، فقال النبيّ ﷺ :«كَيْفَ تَجدُ قَلْبَكَ ؟ » قال : مطمئنا بالإيمان. قال النبيّ ﷺ :«فإنْ عادُوا فَعُدْ ».
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله :﴿إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بالإِيمَانَ﴾ قال : نزلت في عمار بن ياسر.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال : لما عذّب الأعبد أعطوهم ما سألوا إلا خباب بن الأرت، كانوا يضجعونه على الرضف فلم يستقلوا منه شيئا.
فتأويل الكلام إذن : من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئنّ بالإيمان، موقن بحقيقته، صحيح عليه عزمه، غير مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرا فاختاره وآثره على الإيمان وباح به طائعا، فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك ورد الخبر عن ابن عباس.
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله :﴿إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بالإيمَانِ﴾، فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه، فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم. فأما من أكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه، فلا حرج عليه ؛ لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يعني باللسان القصيدة والكلمة (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾
يقول تعالى إن الذين لا يؤمنون بحجج الله وأدلته، فيصدّقون بما دلَّت عليه (لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ) يقول: لا يوفقهم الله لإصابة الحقّ، ولا يهديهم لسبيل الرشد في الدنيا، ولهم في الآخرة وعند الله إذا وردوا عليه يوم القيامة عذاب مؤلم موجع. ثم أخبر تعالى ذكره المشركين الذين قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إنما أنت مفتر، أنهم هم أهل الفرية والكذب، لا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون به، وبرأ من ذلك نبيه ﷺ وأصحابه، فقال: إنما يتخرّص الكذب، ويتقوّل الباطل، الذين لا يصدّقون بحجج الله وإعلامه، لأنهم لا يرجون على الصدق ثوابا، ولا يخافون على الكذب عقابا، فهم أهل الإفك وافتراء الكذب، لا من كان راجيا من الله على الصدق الثواب الجزيل، وخائفا على الكذب العقاب الأليم. وقوله (وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) يقول: والذين لا يؤمنون بآيات الله هم أهل الكذب لا المؤمنون.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾
(١) في (اللسان: لسن) : اللسان: جارحة الكلام، وقد يكني بها عن الكلمة فيؤنث حينئذ قال أعشى باهلة: إني "أتتني لسان لا أسر بها". قال ابن برى: اللسان هنا: الرسالة والمقالة. وقد يذكر على معنى الكلام، قال الحطيئة: "ندمت على لسان فات مني". وحان يحين حينا: هلك. وشاهد المؤلف في البيت: أن اللسان قد يحيي، مؤنثا بمعنى الكلمة والقصيدة.
اختلف أهل العربية في العامل في "مَنْ" من قوله (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ) ومن قوله (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا)، فقال بعض نحويي البصرة: صار قوله (فَعَلَيْهِمْ) خبرًا لقوله (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا)، وقوله (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ) فأخبر لهم بخبر واحد، وكان ذلك يدلّ على المعنى. وقال بعض نحويي الكوفة: إنما هذان جزءان اجتمعا، أحدهما منعقد بالآخر، فجوابهما واحد كقول القائل: من يأتنا فمن يحسن نكرمه، بمعنى: من يحسن ممن يأتنا نكرمه. قال: وكذلك كلّ جزاءين اجتمعا الثاني منعقد بالأوّل، فالجواب لهما واحد. وقال آخر من أهل البصرة: بل قوله (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ) مرفوع بالردّ على الذين في قوله (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) ومعنى الكلام عنده: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره من هؤلاء وقلبه مطمئنّ بالإيمان، وهذا قول لا وجه له. وذلك أن معنى الكلام لو كان كما قال قائل هذا القول، لكان الله تعالى ذكره قد أخرج ممن افترى الكذب في هذه الآية الذين وُلدوا على الكفر وأقاموا عليه، ولم يؤمنوا قطّ، وخصّ به الذين قد كانوا آمنوا في حال، ثم راجعوا الكفر بعد الإيمان، والتنزيل يدلّ على أنه لم يخصص بذلك هؤلاء دون سائر المشركين الذين كانوا على الشرك مقيمين، وذلك أنه تعالى أخبر خبر قوم منهم أضافوا إلى رسول الله ﷺ افتراء الكذب، فقال: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنزلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) وكذّب جميع المشركين بافترائهم على الله وأخبر أنهم أحق بهذه الصفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ)، ولو كان الذين عنوا بهذه الآية هم الذين كفروا بالله من بعد إيمانهم، وجب أن يكون القائلون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما أنت مفتر حين بدّل الله آية مكان آية، كانوا هم الذين كفروا بالله بعد الإيمان خاصة دون غيرهم من سائر المشركين، لأن هذه في سياق الخبر عنهم، وذلك قول إن قاله قائل، فبين فساده مع خروجه عن تأويل جميع أهل العلم بالتأويل.
والصواب من القول في ذلك عندي أن الرافع لمن الأولى والثانية، قوله
(فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ) والعرب تفعل ذلك في حروف الجزاء إذا استأنفت أحدهما على آخر.
وذكر أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر وقوم كانوا أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم، فثبت على الإسلام بعضهم، وافتتن بعض.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ)... إلى آخر الآية، وذلك أن المشركين أصابوا عمار بن ياسر فعذّبوه، ثم تركوه، فرجع إلى رسول الله ﷺ فحدّثه بالذي لقي من قريش، والذي قال:
فأنزل الله تعالى ذكره عذره (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ)إلى قوله (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ) قال: ذُكِر لنا أنها نزلت في عمار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر ميمون وقالوا: اكفر بمحمد، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فأنزل لله تعالى ذكره (إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا) : أي من أتى الكفر على اختيار واستحباب، (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذّبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ تَجدُ قَلْبَكَ؟ قال: مطمئنا بالإيمان. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: فإنْ عادُوا فَعُدْ".
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله (إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ) قال: نزلت في عمار بن ياسر.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: لما

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به : أنه قد غَضب عليه، لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذابا عظيما في الدار الآخرة ؛ لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا(١) على ما أقدموا عليه من الردة لأجل(٢) الدنيا، ولم يهد الله قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم، فلا(٣) يعقلون بها شيئا ينفعهم، وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئا، فهم غافلون عما يراد بهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأما قوله :﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾، فهو استثناء ممن(٢) كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرها لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله.
وقد روى العَوفِيّ عن ابن عباس : أن هذه الآية نزلت في عمَّار بن ياسر، حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد ﷺ، فوافقهم على ذلك مُكرَها(٣) وجاء معتذرًا إلى النبي ﷺ، فأنزل الله هذه الآية، وهكذا قال الشعبي، وأبو مالك وقتادة.
وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثَور، عن مَعْمَر، عن عبد الكريم الجَزَريّ، عن أبي عبيدة [ بن ](٤) محمد بن عمار(٥) بن ياسر قال : أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ :" كيف تجد قلبك ؟ " قال : مطمئنا بالإيمان، قال النبي ﷺ :" إن عادوا فعد " (٦).
ورواه البيهقي بأبسط من ذلك، وفيه أنه سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير، وأنه قال : يا رسول الله، ما تُركتُ حتى سَببتك وذكرت آلهتهم بخير ! قال :" كيف تجد قلبك ؟ " قال : مطمئنا بالإيمان. فقال :" إن عادوا فعد ". وفي ذلك أنزل الله :﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾(٧).
ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يُوَالى المكرَه على الكفر، إبقاءً لمهجته، ويجوز له أن يستقتل، كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى أنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدَّة الحر، ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول : أحَد، أحَد. ويقول : والله لو أعلم كلمة هي(٨) أغيظ لكم منها لقلتها، رضي الله عنه وأرضاه. وكذلك حبيب بن زيد(٩) الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب : أتشهد أن محمدًا رسول الله ؟ فيقول : نعم. فيقول : أتشهد أني رسول الله ؟ فيقول : لا أسمع. فلم يزل يقطعه إرْبًا إرْبًا وهو ثابت على ذلك(١٠).
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عِكْرِمة، أن عليا، رضي الله عنه، حَرَّق ناسا ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال : لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال :" لا تعذبوا بعذاب الله ". وكنت قاتلهم بقول رسول الله ﷺ :" من بدل دينه فاقتلوه "، فبلغ ذلك عليا فقال : ويح أم ابن(١١) عباس. رواه البخاري(١٢).
وقال الإمام أحمد أيضًا : حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا مَعْمَر، عن أيوب، عن حُمَيْد بن هلال العَدَويّ، عن أبي بردة قال : قدم على أبي موسى معاذُ بن جبل باليمن، فإذا رجل عنده، قال : ما هذا ؟ قال(١٣) رجل كان يهوديا فأسلم، ثم تهود، ونحن نريده على الإسلام منذ - قال : أحسب - شهرين فقال : والله لا أقعد(١٤) حتى تضربوا عنقه. فضربت عنقه. فقال : قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه - أو قال : من بدل دينه فاقتلوه(١٥).
وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر(١٦).
والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله، كما قال(١٧) الحافظ ابن عساكر، في ترجمة عبد الله بن حُذَافة السهمي أحد الصحابة : أنه أسرته الروم، فجاءوا به إلى(١٨) ملكهم، فقال له : تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي. فقال له : لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب، على أن أرجع عن دين محمد طرفة عين، ما فعلت ! فقال : إذا أقتلك. قال : أنت وذاك ! فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريبا من يديه ورجليه، وهو يعرض عليه دين النصرانية، فيأبى(١٩) ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بِقِدْر. وفي رواية : ببقرة من نحاس، فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح. وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها، فرفع في البَكَرَة ليلقى فيها، فبكى، فطمع فيه ودعاه فقال له : إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة، تُلْقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله. وفي بعض الروايات : أنه سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أياما، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير، فلم يقربه، ثم استدعاه فقال : ما منعك أن تأكل ؟ فقال : أما إنه قد حَلَّ لي، ولكن لم أكن لأشمتك فيّ. فقال له الملك : فَقَبِّلْ رأسي وأنا أطلقك. فقال : وتطلق معي جميع أسارى المسلمين ؟ قال : نعم. فقبل رأسه، فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب : حَقّ على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ. فقام فقبل رأسه(٢٠).


١ في ت: "فما قدموا"..
٢ في ت: "الردة إلا لأجل"..
٣ في أ: "فهم لا"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
سَأَلَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ الَّتِي سَأَلَهَا مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ فِيمَا قال له: أو كُنْتُمْ (١) تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: هِرَقْلُ فَمَا كَانَ ليَدع الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾
أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالتَّبَصُّرِ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ بِهِ: أَنَّهُ قَدْ غَضب عَلَيْهِ، لِعِلْمِهِمْ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ عُدُولِهِمْ عَنْهُ، وَأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا عَظِيمًا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، فَأَقْدَمُوا (٢) عَلَى مَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الرِّدَّةِ لِأَجْلِ (٣) الدُّنْيَا، وَلَمْ يَهْدِ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَيُثَبِّتْهُمْ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ، فَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا (٤) يَعْقِلُونَ بِهَا شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ فَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، وَلَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ شَيْئًا، فَهُمْ غَافِلُونَ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ.
﴿لَا جَرَمَ﴾ أَيْ: لَا بُدَّ وَلَا عَجَبَ أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهَالِيهِمْ (٥) يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِمَّنْ (٦) كَفَرَ بِلِسَانِهِ وَوَافَقَ الْمُشْرِكِينَ بِلَفْظِهِ مُكْرَهًا لِمَا نَالَهُ مِنْ ضَرْبٍ وَأَذًى، وَقَلْبُهُ يَأْبَى مَا يَقُولُ، وَهُوَ مُطَمْئِنٌ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَقَدْ رَوَى العَوفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عمَّار بْنِ يَاسِرٍ، حِينَ عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى يَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُكرَها (٧) وَجَاءَ مُعْتَذِرًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ وَقَتَادَةُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَور، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَريّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ [بْنِ] (٨) مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ (٩) بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَعَذَّبُوهُ حَتَّى قَارَبَهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ عَادُوا فَعُدْ" (١٠).
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، وَأَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ
(١) في ف: "أفكنتم".
(٢) في ت: "فما قدموا".
(٣) في ت: "الردة إلا لأجل".
(٤) في أ: "فهم لا".
(٥) في ت: "وأهليتهم".
(٦) في ت: "فمن".
(٧) في ف، أ: "مستكرهًا".
(٨) زيادة من ت، ف، أ، والطبري.
(٩) في ت: "على".
(١٠) تفسير الطبري (١٤/ ١٢٢).
اللَّهِ، مَا تُركتُ حَتَّى سَببتك وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ. فَقَالَ: "إِنْ عَادُوا فَعُدْ". وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ (١).
وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَالى المكرَه عَلَى الْكُفْرِ، إِبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْتِلَ، كَمَا كَانَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِ الْأَفَاعِيلَ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَضَعُونَ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ عَلَى صَدْرِهِ فِي شدَّة الْحَرِّ، وَيَأْمُرُونَهُ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: أحَد، أحَد. وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ (٢) أَغْيَظُ لَكُمْ مِنْهَا لَقُلْتُهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ (٣) الْأَنْصَارِيُّ لَمَّا قَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إرْبًا إرْبًا وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ (٤).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمة، أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَرَّق نَاسًا ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَرِّقَهُمْ بِالنَّارِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ". وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ أُمِّ ابْنِ (٥) عَبَّاسٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٦).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْد بْنِ هِلَالٍ العَدَويّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى معاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ، فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ (٧) رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَهَوَّدَ، وَنَحْنُ نُرِيدُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُنْذُ -قَالَ: أَحْسَبُ-شَهْرَيْنِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ (٨) حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. فَقَالَ: قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَاقْتُلُوهُ-أَوْ قَالَ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ (٩).
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظٍ آخَرَ (١٠).
وَالْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمُسْلِمُ عَلَى دِينِهِ، وَلَوْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِهِ، كَمَا قَالَ (١١) الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافة السَّهْمِيِّ أَحَدِ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُ أَسَرَتْهُ الرُّومُ، فَجَاءُوا بِهِ إِلَى (١٢) مَلِكِهِمْ، فَقَالَ لَهُ: تَنَصَّرْ وَأَنَا أُشْرِكُكَ فِي مُلْكِي وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي. فَقَالَ لَهُ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ وَجَمِيعَ مَا تَمْلِكُهُ الْعَرَبُ، عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ، مَا فَعَلْتُ! فَقَالَ: إِذًا أَقْتُلُكَ. قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ! فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَأَمَرَ الرُّمَاةَ فَرَمَوْهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عليه دين
(١) سنن البيهقي الكبرى (٨/ ٢٠٩).
(٢) زيادة من ت، ف، أ.
(٣) في ف: "يزيد".
(٤) انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٣٢٧) وأسد الغابة لابن الأثير (١/ ٤٤٣).
(٥) في ت، ف: "ابن أم".
(٦) المسند (١/ ٢١٧) وصحيح البخاري برقم (٦٩٢٢).
(٧) في ت: "فقال".
(٨) في ف: "قعدتك".
(٩) المسند (٥/ ٢٣١)
(١٠) صحيح البخاري برقم (٦٩٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٣).
(١١) في ف، أ: "كما ذكر".
(١٢) في ف: "عند".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١٠٦ - ١٠٩ } ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
يخبر تعالى عن شناعة حال ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾، فعمى بعد ما أبصر ورجع إلى الضلال بعد ما اهتدى، وشرح صدره بالكفر راضيا به مطمئنا أن لهم الغضب الشديد من الرب الرحيم الذي إذا غضب لم يقم لغضبه شيء وغضب عليهم كل شيء، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، أي : في غاية الشدة مع أنه دائم أبدا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٠٦ - ١٠٩} ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
يخبر تعالى عن شناعة حال ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ فعمى بعد ما أبصر ورجع إلى الضلال بعد ما اهتدى، وشرح صدره بالكفر راضيا به مطمئنا أن لهم الغضب الشديد من الرب الرحيم الذي إذا غضب لم يقم لغضبه شيء وغضب عليهم كل شيء، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: في غاية الشدة مع أنه دائم أبدا.
و ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ حيث ارتدوا على أدبارهم طمعا في شيء من حطام الدنيا، ورغبة فيه وزهدا في خير الآخرة، فلما اختاروا الكفر على الإيمان منعهم الله الهداية فلم يهدهم لأن الكفر وصفهم، فطبع على قلوبهم فلا يدخلها خير، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلا ينفذ منها ما ينفعهم ويصل إلى قلوبهم. فشملتهم الغفلة وأحاط بهم الخذلان، وحرموا رحمة الله التي وسعت كل شيء، وذلك أنها أتتهم فردوها، وعرضت عليهم فلم يقبلوها.
﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة وفاتهم النعيم المقيم وحصلوا على العذاب الأليم.
وهذا بخلاف من أكره على الكفر وأجبر عليه، وقلبه مطمئن بالإيمان؛ راغب فيه فإنه لا حرج عليه ولا إثم، ويجوز له النطق بكلمة الكفر عند الإكراه عليها.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام تفسير الشافعي — الشافعي مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير ابن خويز منداد — ابن خويزمنداد تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير البياني لما في سورة النحل من دقائق المعاني — سامي القدومي التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
من شرح بالكفر
أي من اتاه باختيار

إعراب الآية ١٠٦ من سورة النحل

من كتاب: إعراب القرآن

القبر أي جعلت فيه لحدا وألحدت الميّت ألزمته اللحد. وَهذا لِسانٌ قيل: يعني القرآن، سمّاه لسانا اتّساعا، كما يقال: فلان يتكلّم بلسان العرب أي بلغتها وكذا اللسان الذي يلحدون إليه أي كلامه وعلى هذا تسمّى الرسالة لسانا، كما قال: [الوافر] ٢٦٥-
لسان السّوء تهديها إلينا «١»

[سورة النحل (١٦) : آية ١٠٦]

مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ مَنْ في موضع رفع على البدل من «الكاذبين».
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ في موضع نصب على الاستثناء. والمعنى- والله أعلم- إلّا من أكره.
فله أن يقول ما ظاهره الكذب والكفر ولا يعتقده، ولا يجوز له أن يكذب كذبا صراحا بوجه، وإنما يقول: فلان كذّاب على قولهم أو يعني به غير النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ممن هو كاذب لأن الكذب قبيح فلا يجوز أن يأذن الله فيه بحال، والدليل على قبحه أن قائله لا يوثق بخبره وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ابتداء وخبر، وهو تبيين ما تقدّم. مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ مبتدأ. فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ في موضع الخبر.

[سورة النحل (١٦) : آية ١٠٧]

ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧)
اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ قال الخليل رحمه الله لا جَرَمَ لا تكون إلّا جوابا. قال أبو جعفر: وقد ذكرناه «٢».

[سورة النحل (١٦) : آية ١١٠]

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)
مِنْ بَعْدِها أي من بعد الفتنة.

[سورة النحل (١٦) : آية ١١١]

يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)
يَوْمَ تَأْتِي في موضع نصب أي غفور رحيم يوم تأتي كلّ نفس، ويجوز أن يكون بمعنى: واذكر يوم تأتي كلّ نفس.
(١) الشاهد بلا نسبة في جواهر الأدب ١٢٥، والجنى الداني ٩٤، والدرر ١/ ٢٤٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٥٠٦، ومغني اللبيب ١/ ١٨٢، وهمع الهوامع ١/ ٧٧، وعجزه:
«وحنت وما حسبتك أن تحينا»
(٢) مرّ في إعراب الآية ٢٢- هود.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٠٦ من سورة النحل

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله عز وجل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ الآية. [١٠٦].
قال ابن عباس: نزلت في عمَّار بن يَاسِر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسراً، وأمه سمية، وصُهَيْباً، وبلالاً، وخَبَّاباً، وسالماً - [فعذبوهم] فأما سُمَيَّة فإِنها ربطت بين بعيرين ووُجِئَ قُبُلُهَا بحربة، وقيل لها: إِنك أسلمت من أجل الرجال. فقتلت، وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام. وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عماراً كفرن فقال: كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قَرْنه إلى قدمه، واختلط الإيمانُ بلحمه ودمه! فأتى عمار رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله عليه السلام يمسح عينيه ويقول: "إنْ عادوا لك فعُدْ لهم بما قلت"! فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مجاهد: نزلت في ناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم المسلمون بالمدينة: أن هاجروا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا. فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريش بالطريق ففتنوهم مُكْرَهين. وفيهم نزلت هذه الآية.

القراءات في الآية ١٠٦ من سورة النحل

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

فَعَلَيْهِمْ

(فَعَلَيْهُمْ) بضم الهاء وإسكان الميم

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

(فَعَلَيْهِمْ) بكسر الهاء وإسكان الميم

حفص عن عاصم إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو ورش عن نافع قالون عن نافع

(فَعَلَيْهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم

قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٠٦ من سورة النحل

١١ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٠ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآية

١٤ قولًا
١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكِر لنا: أنّ هذه الآية: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ نزلت في عمار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة فغطّوه في بئر ميمون، وقالوا: اكفُرْ بمحمد. فتابعهم على ذلك وقلبه كاره؛ فنزلت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٤‏/‏٣٧٤، وابن عساكر ٤٣‏/‏٣٧٥.
٢
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-: أنّ عبد الله بن أبي سَرْح أسلم، ثم ارتدَّ، فلحق بالمشركين، ووشى بعمار، وجَبْرٍ عبدِ ابن الحضرميِّ، أو ابن عبد الدّار، فأخذوهما، وعذَّبوهما حتى كفرا؛ فأنزل الله في شأن ابن أبي سرح وعمار وأصحابه: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا﴾. فالذي أُكْرِه عمار وأصحابه، والذي شَرَح بالكفر صدرًا فهو ابن أبي سرح١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير مطولًا ٩‏/‏٤٠٥-٤٠٦.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾، نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي، ومقيس بن ضبابة الليثي، وعبد الله بن أنس بن حنظل من بني تميم١ بن مرة، وطعمة بن أبيرق الأنصاري من بني ظفر بن الحارث، وقيس بن الوليد بن المغيرة المخزومي، وقيس بن الفاكه بن المغيرة المخزومي، قتلا ببدر، ثم استثنى، فقال: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾... نزلت في جبر غلام عامر بن الحضرمي، كان يهوديًّا فأسلم حين سمع أمر يوسف وإخوته، فضربه سيده حتى يرجع إلى اليهودية. ثم قال عز وجل: ﴿ولكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ إلى أربع آيات، يعني: عبد الله بن سعد بن أبي سرح وهؤلاء المسلمين٢
التخريج
  1. ١كذا في المصدر، وفي العجاب في بيان الأسباب لابن حجر ٢‏/‏٧١٢ نقلًا عن مقاتل بن سليمان أنه تيمي.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٤٨٨-٤٨٩.
٤
قال يحيى بن سلّام: نزلت في عمار بن ياسر وأصحابه، أخذهم المشركون، فوقفوهم على الكفر بالله ورسوله، فخافوا منهم، فأعطوهم ذلك بأفواههم١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏٩٢.
٥
عن عبد الله بن عباس، قال: لما أراد رسولُ الله ﷺ أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه: «تفرَّقوا عني، فمَن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل، ومَن لم تكن به قوة فليذهب في أول الليل، فإذا سمعتم بي قد استقرَّت بي الأرض فالحقوا بي». فأصبح بلالٌ المؤذن، وخبّاب، وعمّار، وجارية من قريش كانت أسلمت؛ فأصبحوا بمكة، فأخذهم المشركون وأبو جهل، فعرضوا على بلال أن يكفر، فأبى، فجعلوا يضعون دِرعًا مِن حديد في الشمس، ثم يُلبسونها إياه، فإذا ألبسوها إياه قال: أحد، أحد. وأَمّا خبّاب فجعلوا يَجُرُّونه في الشَّوْك، وأمّا عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تَقِيَّةً، وأما الجارية فوَتَّدَ لها أبو جهل أربعة أوتاد، ثم مَدَّها، فأدخل الحربة في قُبُلِها حتى قتلها، ثم خَلَّوا عن بلال وخباب وعمار، فلَحِقوا برسول الله ﷺ، فأخبروه بالذي كان من أمرهم، واشتد على عمار الذي كان تكلَّم به، فقال له رسول الله ﷺ: «كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت، أكان منشرحًا بالذي قلت أم لا؟». قال: لا. قال: فأنزل الله: ﴿إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مَرْدُويَه.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابنُ تيمية (٤/١٨٥) إلى هذا القول مستندًا إلى التاريخ، فقال: «الآية نزلت في عمار بن ياسر وبلال بن رباح وأمثالهما من المؤمنين المستضعفين لما أكرههم المشركون على سب النبي ﷺ ونحو ذلك من كلمات الكفر، فمنهم من أجاب بلسانه كعمار، ومنهم من صبر على المحنة كبلال، ولم يكره أحد منهم على خلاف ما في قلبه، بل أكرهوا على التكلم، فمن تكلم بدون الإكراه لم يتكلم إلا وصدره منشرح به».
٦
عن أبي المتوكل الناجي -من طريق إسماعيل بن مسلم-: أنّ رسول الله ﷺ بعث عمار بن ياسر إلى بئر للمشركين ليستقي منها، وحولها ثلاثة صفوف يحرسونها، فاستقى في قربة، ثم أقبل حتى أتى على الصف الأول، فأخذوه، فقال: دعوني؛ فإنما أستقي لأصحابكم. فتركوه، فذهب حتى أتى على الصف الثاني، فأخذوه، فقال: دعوني؛ فإنما أستقي لأصحابكم. فتركوه، فذهب حتى أتى على الصف الثالث، فأخذوه، فردوه إلى البئر، فصبوا ماءه، ثم نكسوه حتى قاء ما شرب، ثم قالوا له: لتكفرن أو لنقتلنك. فتكلم بما أرادوه عليه، ثم تركوه، فرجع الثانية، ففعلوا به مثل ذلك، وتركوه، ثم رجع الثالثة، ففعلوا به مثل ذلك، فلما أرادوه على أن يتكلم بالكفر أبى، فبعث نبيُّ الله الخيلَ، فاستنقذته. فأنزلت فيه: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏٩٢. وأخرجه مختصرًا مسدد -كما في المطالب (٤٠٢٧). وكذا عزاه السيوطي إلى مسدَّد في مسنده، وابن المنذر، وابن مَرْدُويَه.
٧
عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار، عن أبيه، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سبَّ النبيَّ ﷺ، وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى النبيَّ قال: «ما وراءك؟». قال: شرٌّ، ما تُرِكت حتى نِلْتُ منك، وذكرت آلهتهم بخير. قال: «كيف تجد قلبك؟». قال: مطمئنًّا بالإيمان. قال: «إن عادوا فعُد». فنزلت: ﴿إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾. قال: ذاك عمار بن ياسر، ﴿ولكن من شرح بالكفر صدرًا﴾ عبد الله بن أبي سَرْح١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏٩٢، وعبد الرزاق ١‏/‏٣٦٠، وابن سعد ٣‏/‏٢٤٩، وابن جرير ١٤‏/‏٣٧٤-٣٧٥، وابن أبي حاتم -كما في فتح الباري ١٢‏/‏٣١٢-، والحاكم ٢‏/‏٣٥٧، والبيهقي في الدلائل ٨‏/‏٢٠٨-٢٠٩، وابن عساكر ٤٣‏/‏٣٧٣-٣٧٤. وعزاه السيوطي إلى ابن مَرْدُويَه، ولفظ: «عن أبيه» ليس عند يحيى بن سلام وعبد الرزاق، وابن سعد، وابن جرير. وكلا الإسنادين مرسل، كما قال الحافظ في الفتح.
٨
عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وفي قوله: ﴿ولكن من شرح بالكفر صدرًا﴾، قال: ذاك عبد الله بن أبي سَرْح١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد ٣‏/‏٢٤٩-٢٥٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابنُ تيمية (٤/١٨٤) هذا القول مستندًا إلى زمن النزول، فقال: «هو باطل؛ فإن هذه الآية نزلت بمكة، لما أكره عمار وبلال على الكفر، وردة هذا كانت بالمدينة بعد الهجرة، ولو قُدِّر أنه نزلت فيه هذه الآية فالنبي ﷺ قد قَبِلَ إسلامه وبايعه».
٩
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: نزلت هذه الآية في أناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض الصحابة بالمدينة: أن هاجِروا؛ فإنّا لا نرى أنكم منّا حتى تُهاجروا إلينا. فخرجوا يُريدون المدينة، فأدركتهم قريش في الطريق، ففتنوهم، فكفروا مُكرَهين، ففيهم نزلت هذه الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٤‏/‏٣٧٨، وأخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏٩٣ من طريق ابن مجاهد. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٠
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عمرو- قال: كان ناس بمكة قد أقرُّوا بالإسلام، فلما خرج الناس إلى بدر لم يبق أحدٌ إلا أخرجوه، فقُتل أولئك الذين أقروا بالإسلام؛ فنزلت فيهم: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ إلى قوله: ﴿وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا﴾ [النساء: ٩٧-٩٨] حيلة: نهوضًا إليها، وسبيلًا: طريقًا إلى المدينة. فكتب المسلمون الذين كانوا بالمدينة إلى مَن كان بمكة، فلما كُتِب إليهم خرج ناس ممن أقروا بالإسلام، فأتبعهم المشركون، فأكرهوهم حتى أعطوهم الفتنة؛ فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾١
التخريج
  1. ١ذكره في الإيماء ٧‏/‏٤٧١ (٧١٦١)، وقال: «روي موصولًا عن عكرمة عن ابن عباس». وعزاه إلى جزء سعدان (٤٧).
١١
عن محمد بن سيرين، قال: نزلت هذه الآية: ﴿إلا من أكره﴾ في عياش بن أبي ربيعة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
١٢
عن محمد بن سيرين: أنّ النبي ﷺ لَقِي عمّارًا وهو يبكي، فجعل يمسح عن عينيه ويقول: «أخذك الكفار فغَطّوك في الماء، فقلتَ كذا وكذا، فإن عادوا فقل ذلك لهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد ٣‏/‏٢٤٩.
١٣
عن أبي مالك غزوان الغفاري -من طريق حصين- في قوله: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾، قال: نزلت في عمار بن ياسر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٢‏/‏١٢١، وابن جرير ١٤‏/‏٣٧٥، وابن عساكر ٤٣‏/‏٣٧٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٤
عن الحكم [بن عتيبة] -من طريق جابر- ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾، قال: نزلت في عمار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٢‏/‏١٢١، وابن عساكر ٤٣‏/‏٣٧٥.

تفسير

٦ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿من كفر بالله﴾ الآية، قال: أخبر الله سبحانه أنّه مَن كفر بعد إيمانه فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، فأمّا من أُكره، فتكلَّم بلسانه، وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوِّه فلا حرج عليه؛ لأن الله سبحانه إنما يأخُذُ العباد بما عقدت عليه قلوبهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٤‏/‏٣٧٦، والبيهقي في سُنَنِه ٨‏/‏٢٠٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٢
تفسير إسماعيل السُّدِّيّ، في قوله: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾: راض بالتوحيد١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلام ١‏/‏٩١.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾، ثم استثنى، فقال: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ﴾ على الكفر ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ يعني: راضٍ ﴿بِالإيمانِ﴾. كقوله عز وجل: ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج:١١]١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٤٨٨.
٤
قال يحيى بن سلّام: وقوله: ﴿وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ راضٍ بالإيمان١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏٩٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ كثير (٨/٣٥٨-٣٦٠ بتصرّف): «اتفق العلماء على أنّ المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يستقتل كما كان بلال رضي الله عنهما يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله».
٥
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال عز وجل: ﴿ولكِنْ مَن شَرَحَ﴾ مَن وسع ﴿بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ إلى أربع آيات، يعني: عبد الله بن سعد بن أبي سرح وهؤلاء المسلمين؛ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٤٨٩.
٦
قال يحيى بن سلّام: قال: ﴿ولهم عذاب عظيم﴾ في الآخرة١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏٩٣.
التفسير بالمأثور لسورة النحل كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٠٦ من سورة النحل

٧ وقفات في هذه الآية

  • مهما استولى الظالم بظلمه على مال المظلوم وجسده وحريته فسيعجز عن اﻻستيلاء على قلبه(من كفر بالله من بعد إيمانه إﻻ من أكره وقلبه مطمئن باﻹيمان)

    — سعود الشريم

  • ( وقلبهُ مطمئن بالإيمان .. ) لن تجد في قلبك اطمئنان ، إلا إذا ارتوى بنبع الإيمان !!

    — عايض المطيري

  • (وقلبه مطمئن بالإيمان) يطمئن القلب حين يُعمر بالإيمان ، صدقني لا داعي لدورات:(كيف تكون سعيدا).

    — وليد العاصمي

  • (وَقلبهُ مُطمئنٌ بالإِيمَان) يطمئن قلبك عندما تعمره بالإيمان وأسهل طريق له تدبر آيات القرآن.

    — تأملات قرآنية

  • ﴿ وقلبه مطمئنٌ بالإيمان ﴾ حين يسكن قلبك الإيمان ؛ تغلق عنه أبواب الهموم والأحزان ، ويرضى بأقدار الرحمن .

    — روائع القرآن

  • أعظم مآلات الذنوب ؛ نقص الإيمان كلية أو ذهاب بعضه ، تأمل هذا في موضعين في النحل : { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها ..} { إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ..} فهذا المآل قدم في كلا الموضعين على غيره من خزي الدنيا وعذاب الآخرة { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل ؛ أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة*

    — القرطبي

  • مثل من كفر بالله بعد إيمانه

    — محمد صالح المنجد

الناسخ والمنسوخ في الآية ١٠٦ من سورة النحل

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿مَن كَفَر باللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُه مطمئن بالإيمان، وَلكِن مَن شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْراً﴾ الآية:
قال ابنُ حبيب: هذا منسوخٌ بقولِه: ﴿ثُمَّ إِنَّ ربَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا من بعد مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠].
قال أبو محمد: وهذا لم يقلْه أحد غيره، وهو غلط ظاهر، لأن نسخ هذا بأن يجازوا بغير ما أخبرنا الله به من مجازاتهم، وذلك لا يجوز على الله - جلّ ذكره -. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠]: نزل في صِنْفٍ آخر غيرِ الصِّنْفِ الأَوَّل، وهم قوم أسلموا ففتنوا عن دينهم ومُنِعوا من الهجرة، فأخبرنا اللهُ أنهم إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا، فإنَّه لَهم غفور رحيم. وقد قُرِىءَ: فَتَنوا - بالفتح - على معنى أنهم فتنوا غيرَهم عن دينهم. ﴿والله غفور رحيم﴾ لهم إذا أسلموا وهاجروا، وجاهدوا. الآية الأولى نزلت في قوم أُكْرِهوا على الكفر، وفي قوم شرحوا صدورَهم بالكفر، وفي قوم كفروا بعد إيمانهم، وهذا كُلُّه في أصنافٍ مختلفة يختلف الحكمُ فيهم وفي مجازاتهم، فلا يَنْسَخُ شيءٌ منه شيئاً.
وأيضاً فإنه خبر، والخبر لا يُنْسَخ، لأنه يصير المنسوخُ أخبر به على غير ما هو عليه - ويتعالى الله عن ذلك - وأخبار الله - جلّ ذكره -كُلُّها جاريةٌ على حقيقة ما هي به لا يجوز فيها غير ذلك.
وإذا كانت كذلك لم يَجُزْ نسخُها إلا بشيءٍ على خلاف ما هو به، وهذا كُلُّه لا يجوز ولا يَحْسُن من الآدميين، فكيف من علاّم الغيوب!- تعالى الله عن ذلك -.

ترجمات معاني الآية ١٠٦ من سورة النحل

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(106) Whoever disbelieves in [i.e., denies] Allāh after his belief...[716] except for one who is forced [to renounce his religion] while his heart is secure in faith. But those who [willingly] open their breasts to disbelief, upon them is wrath from Allāh, and for them is a great punishment;
[716]- Based upon the conclusion of this verse, the omitted phrase concerning the apostate is understood to be "...has earned the wrath of Allāh..."
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال