الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿من كفر بالله من بعد إيمانه﴾ [ ١٠٦ ] إلى قوله :﴿الله لا يهدي القوم الكافرين﴾ [ ١٠٧ ].
هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر (١) [ ووالده ياسر (٢) ] وأمه سمية (٣) وخباب (٤) بن الأرت (٥)، وسلمة بن هشام (٦)، والوليد بن الوليد (٧)، وعياش بن أبي ربيعة والمقداد بن الأسود (٨) وقوم أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم فثبت على الإسلام بعضهم وافتتن بعضهم. فمن ابتداء ﴿ولكن من شرح﴾ [ ١٠٦ ] ابتداء [ أيضا (٩) ]، وخبرهما (١٠) ﴿فعليهم﴾ (١١).
وقيل :﴿من كفر﴾ في موضع [ رفع (١٢) ] على / البدل من " الكاذبين " (١٣). وفيه بعد.
وقال ابن عباس وقتادة : نزلت في عمار بن ياسر (١٤)، قال قتادة : أخذه (١٥) بنو المغيرة فغطوه في بئر ميمون، وقالوا : أكفر بمحمد ﷺ فتابعهم (١٦) على ذلك وقلبه كاره موقن بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله جاء بالحق من عنده، فأنزل الله [ عز وجل (١٧) ] ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [ ١٠٦ ] (١٨).
وقوله :﴿ولكن من شرح بالكفر صدرا﴾ [ ١٠٦ ] (١٩).
أي : من كفر على اختيار منه واستحباب ﴿فعليهم غضب من الله﴾ (٢٠)، قال عكرمة نزلت الآية في قوم أسلموا بمكة ولم يمكنهم الخروج، فلما كان يوم بدر أخرجهم (٢١) المشركون (٢٢) فقتلوا وفيهم (٢٣) نزلت ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء﴾ (٢٤) الآيتين.
[ وقيل إنهم كانوا بمكة لا يقدرون على الخروج فلما نزلت :﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء﴾ (٢٥) الآيتين (٢٦) ]، كتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى إخوانهم الذين بمكة يخبرونهم بما نزل فيهم فلما وصل إليهم الكتاب، خرج ناس كانوا أقروا بالإسلام فطلبهم المشركون فأدركوهم فرجعوا وأعطوهم الفتنة، قولا دون اعتقاد. فأنزل الله [ عز وجل (٢٧) ] فيهم :﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾ (٢٨)، وأنزل فيهم :﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [ ١٠٦ ]، وأنزل فيهم :﴿إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنو﴾ [ ١١٠ ] الآية فسمع ذلك رجل من بني بكر كان مريضا، فقال لأهله : أخرجوني إلى الروح، يعني المدينة. فأخرجوه فمات قبل الليل، فأنزل الله [ عز وجل (٢٩) ] :﴿ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت﴾ (٣٠) الآية (٣١).
قال مجاهد : أول من (٣٢) أظهر الإسلام سبعة : رسول الله [ ﷺ (٣٣) ]، وأبو بكر الصديق (٣٤) وبلال وخباب وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار (٣٥). فأما رسول الله عليه السلام فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأخذ الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد والشمس، فلما كان من العشاء أتاهم أبو جهل ومعه حربة، فجعل يسبهم ويوبخهم، ثم أتى سمية فطعن بالحربة في فرجها، فقتها. فهي أول شهيد استشهد في الإسلام. قال : وقال الآخرون ما سألوهم، إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه، فجعلوا يعذبونه وهو يقول : أحد أحد، حتى ملوه، ثم كتفوه، وجعلوا في عنقه حبلا من ليف، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخشبي (٣٦) مكة، حتى ملوه فتركوه (٣٧). فقال عمار : كلنا قد تكلم بالذي قالوا له، فلولا أن الله تداركنا – غير بلال – فإنه هانت عليه نفسه في الله (٣٨) [ عز وجل (٣٩) ] فهان على قومه حتى تركوه، وملوه، فنزلت هذه الآية في هؤلاء (٤٠).
قال ابن عباس : والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويخنقونه (٤١) ويعطشونه ويجوعونه/حتى [ ما (٤٢) ] يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي به حتى أنه ليعطيهم ما سألوا من الفتنة التي رمي بها، وحتى يقولوا له : اللات والعزى إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم. وحتى أن الجعل (٤٣) ليمر بهم فيقولون : هذا الجعل إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم، افتداء منهم لما يبلغون من جهده فنزلت فيهم :﴿من كفر بالله من بعد إيمانه﴾ الآية.
و[ قيل (٤٤) ] معنى ﴿من شرح بالكفر صدرا﴾، أي : قبله (٤٥) وانفسح (٤٦) له صدره.
١ هو عمار بن ياسر بن عامر الكناني المدحجي العنسي القحطاني أبو اليقظان: صحابي من الولاة الشجعان ذوي الرأي وأحد السابقين للإسلام ولد سنة ٥٧ ق هـ وتوفي سنة ٣٧ هـ.
انظر: ترجمته في الحلية ١/١٣٩ وصفوة الصفوة ١/٤٤٢، والإصابة رقم ٥٦٩٩، والأعلام ٥/٣٦..

٢ ساقط من ق، وياسر، هو ياسر بن عامر الكناني المدحجي العنسي أبو عمار يماني، انتقل إلى مكة وحالف أبا حذيفة وهو أحد السابقين للإسلام توفي سنة ٧ هـ..
٣ هي سمية بنت خياط، صحابية من السابقات للإسلام قتلها أبو جهل فكانت أول شهيدة في الإسلام.
انظر: ترجمتها في الإصابة رقم ٥٨٢ والأعلام ٣/١٤١..

٤ ق: خياب..
٥ هو خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد التميمي، أبو حيي، أو أبو عبد الله، صحابي من السابقين للإسلام توفي سنة ٣٧ هـ روى له البخاري ومسلم وغيرهما ٣٢ حديثا.
انظر: ترجمته في الحلية ١/١٤٣ وصفوة الصفوة ١/٤٢٧ والإصابة ١٤٨٦ والأعلام ٢/٣٠١..

٦ هو سلمة بن هشام بن المغيرة المخزومي، أبو هاشم، صحابي، من السابقين وهو أخو أبي جهل، استشهد بمرج الصفر سنة ١٤ هـ. انظر ترجمته في الإصابة رقم ٣٣٩٦ والأعلام ٣/١١٤..
٧ هو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، من أشراف قريش في الجاهلية، وهو أخو خالد بن الوليد وكان من أسرى بدر، فأسلم بعد فديته، وتوفي بالمدينة نحو ٧ هـ. انظر: ترجمته في طبقات ابن سعد ٤/٨٧ والإصابة رقم ٩١٥٢ والاستيعاب ٣/٥٩٢ والأعلام ٨/١٢٣..
٨ هو المقداد بن عمرو، ويعرف بابن الأسود الكندي اليهرائي الحضرمي أبو معبد أو أبو عمرو من السابقين للإسلام، تبناه الأسود بن عبد يغوث الزهري فصار يقال له المقداد بن الأسود إلى أن نزل ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ وشهد بدرا وغيرها ولد حوالي سنة ٣٧ ق. هـ وتوفي سنة ٣٣ هـ.
انظر: ترجمته في الحلية ١/١٧٢، صفوة الصفوة ١/٤٢٣ والإصابة رقم ٨١٧٨ والأعلام ٧/٢٨٢..

٩ ساقط من ق..
١٠ ق: أخرجهما..
١١ وهو قول الأخمش في إعراب الآية، انظر: معاني الأخفمش ٢/٦٠٨.
ومعاني الزجاج ٣/٢١٩، ولا يجيزه والجامع ١٠/١١٨..

١٢ ساقط من ق..
١٣ وهو قول الزجاج، انظر: معاني الزجاج ٣/٢١٩..
١٤ انظر: قولهما في جامع البيان ١٤/١٨١ والدر ٥/١٧٠..
١٥ ق : أخذوه..
١٦ أي: فبايعهم..
١٧ ساقط من ق..
١٨ انظر: قول قتادة في جامع البيان ١٤/١٨١ والدر ٥/١٧١..
١٩ انظر: قول قتادة في جامع البيان ١٤/١٨١ والدر ٥/١٧١..
٢٠ انظر: المصدر السابق..
٢١ ط: "وأخرجهم"..
٢٢ ط : زاد: "معهم كرها"..
٢٣ ط: "قال وفيهم"..
٢٤ ط: زادك "والولدان". النساء: ٩٨..
٢٥ ط زاد: "والولدان". النساء: ٩٨..
٢٦ ساقط من ق..
٢٧ ساقط من ق..
٢٨ العنكبوت: ١٠..
٢٩ ساقط من ق..
٣٠ النساء: ١٠٠..
٣١ روي هذا القول: مختصرا في تفسير مجاهد ص ٤٢٦..
٣٢ ق: ما..
٣٣ ساقط من ق..
٣٤ ساقط من ط..
٣٥ ق: أم عامر..
٣٦ ق: أحشاء..
٣٧ ط: وتركوه..
٣٨ ق: بالله..
٣٩ ساقط من ق..
٤٠ انظر: قول مجاهد في أحكام ابن العربي ٣/١٠٨٠ والجامع ١٠/١١٩..
٤١ ق: يختنقونه..
٤٢ ساقط من ق..
٤٣ الجعل دابة سوداء قيل هو "أبو جعران". انظر: اللسان (جعل)..
٤٤ ساقط من ط..
٤٥ ق: "أي قلبه صدرا أي قلبه... "..
٤٦ ق: "أنفسه"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى