البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ولما كان الكفر يكون باللفظ وبالاعتقاد، استثنى من الكافرين من كفر باللفظ وقلبه مطمئن بالإيمان، ورخص له في النطق بكلمة الكفر إذ كان قلبه مؤمناً، وذلك مع الإكراه.
والمعنى : إلا من أكره على الكفر، تلفظ بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان.
وجواب الشرط محذوف لدلالة ما بعده عليه تقديره : الكافرون بعد الإيمان غير المكرهين، فعليهم غضب.
ويصح أن يكون الاستثناء من ما تضمنه جواب الشرط المحذوف أي : فعليهم غضب، إلا من أكره فلا غضب عليه ولا عذاب، ولكنْ من شرح وكذا قدره الزمخشري أعني الجواب قبل الاستثناء في قول مَن جعل مَن شرطاً.
وقال ابن عطية : وقالت فرقة مَن في قوله مَن كفر ابتداء، وقوله : من شرح تخصيص منه، ودخل الاستثناء لإخراج عمار وشبهه.
ودنا من الاستثناء الأول الاستدراك بلكن وقوله : فعليهم، خبر عن مَن الأولى والثانية، إذ هو واحد بالمعنى لأن الإخبار في قوله : من كفر، إنما قصد به الصنف الشارح بالكفر انتهى.
وهذا وإن كان كما ذكر فهاتان جملتان شرطيتان، وقد فصل بينهما بأداة الاستدراك، فلا بد لكل واحدة منهما من جواب على انفراده لا يشتركان فيه، فتقدير الحذف أحرى على صناعة الإعراب.
وقد ضعفوا مذهب أبي الحسن في ادعائه أن قوله :﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ وقوله :﴿فروح وريحان﴾ جواب لأما، ولأنّ هذا وهما أداتا شرط، إحداهما تلي الأخرى، وعلى كون مَن في موضع رفع على الابتداء، يجوز أن تكون شرطية كما ذكرنا، ويجوز أن تكون موصولة وما بعدها صلتها، والخبر محذوف لدلالة ما بعده عليه، كما ذكرنا في حذف جواب الشرط.
إلا أنْ من الثانية لا يجوز أنْ تكون شرطاً حتى يقدر قبلها مبتدأ لأنّ من وليت لكنْ فيتعين إذ ذاك أن تكون مَن موصولة، فإن قدر مبتدأ بعد لكن جاز أن تكون شرطية في موضع خبر ذلك المبتدأ المقدر كقوله :
ولكن متى يسترفد القوم أرفد***أي : ولكن أنا متى يسترفد القوم أرفد.
وكذلك تقدر هنا، ولكن هم من شرح بالكفر صدراً أي : منهم.
وأجاز الحوفي والزمخشري : أن تكون بدلاً من الذين لا يؤمنون، ومن الكاذبون.
ولم يجز الزجاج إلا أن يكون بدلاً من الكاذبون، لأنه رأى الكلام إلى آخر الاستثناء غير تام، فعلقه بما قبله.
وأجاز الزمخشري أن يكون بدلاً من أولئك، فإذا كان بدلاً من الذين لا يؤمنون فيكون قوله : وأولئك هم الكاذبون، جملة اعتراض بين البدل والمبدل منه، والمعنى : إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء.
وإذا كان بدلاً من الكاذبون فالتقدير : وأولئك هم من كفر بالله من بعد إيمانه، وإذا كان بدلاً من أولئك فالتقدير : ومَن كفر بالله من بعد إيمانه هم الكاذبون.
وهذه الأوجه الثلاثة عندي ضعيفة.
لأنّ الأول يقتضي أنه لا يفتري الكذب إلا من كفر بالله من بعد إيمانه، والوجود يقتضي أنّ من يفتري الكذب هو الذي لا يؤمن، وسواء كان ممن كفر بعد الإيمان أنه كان ممن لم يؤمن قط، بل من لم يؤمن قط هم الأكثرون المفترون الكذب.
وأما الثاني فيؤول المعنى إلى ذلك، إذ التقدير : وأولئك أي الذين لا يؤمنون هم من كفر بالله من بعد إيمانه، والذين لا يؤمنون هم المفترون.
وأما الثالث فكذلك.
إذ التقدير : أن المشار إليهم هم من كفر بالله من بعد إيمانه، مخبر عنهم بأنهم الكاذبون.
وقال الزمخشري : ويجوز أن ينتصب على الذم انتهى.
وهذا أيضاً بعيد، والذي تقتضيه فصاحة الكلام جعل الجمل كلها مستقلة لا ترتبط بما قبلها من حيث الإعراب، بل من حيث المعنى.
والمناسبة وفي قوله : إلا من أكره دليل على أنّ من فعل المكره لا يترتب عليه شيء، وإذا كان قد سومح لكلمة الكفر أو فعل ما يؤدي إليه، فالمسامحة بغيره من المعاصي أولى.
وقد تكلموا في كيفية الإكراه المبيح لذلك، وفي تفصيل الأشياء التي يقع الإكراه فيها، وذلك كله مذكور في كتب الفقه.
والمكرهون على الكفر المعذبون على الإسلام : خباب، وصهيب، وبلال، وعمار، وأبواه ياسر وسمية، وسالم، وحبر، عذبوا فأجابهم عمار وحبر باللفظ فخلى سبيلهما، وتمادى الباقون على الإسلام فقتل ياسر وسمية، وهما أول قتيل في الإسلام، وعذب بلال وهو يقول :( أحد أحد ) وعذب خباب بالنار فما أطفأها إلا ودك ظهره.
وجمع الضمير في فعليهم على معنى من، وأفرد في شرح على لفظها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى