فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمانه﴾ قد اختلف أهل العلم في إعرابه، فذهب الأكثرون على أنه بدل إما من ﴿الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله﴾ وما بينهما اعتراض، والمعنى : إنما يفتري الكذب من كفر، واستثنى منهم المكره، فلا يدخل تحت حكم الافتراء. ثم قال :﴿ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي : اعتقده وطابت به نفسه واطمأن إليه ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وإما من المبتدأ الذي هو ﴿أولئك﴾ أو من الخبر الذي هو ﴿الكاذبون﴾. وذهب الزجاج إلى الأوّل وقال الأخفش : إن ﴿من﴾ مبتدأ وخبره محذوف اكتفي منه بخبر ﴿من﴾ الثانية، كقولك : من يأتنا منكنّ نكرمه. وقيل : هو أي :﴿من﴾ في ﴿من كفر﴾ منصوب على الذمّ ؛ وقيل : إن من شرطية والجواب محذوف لأن جواب «من شرح » دالّ عليه، وهو كقول الأخفش، وإنما خالفه في إطلاق لفظ الشرط على " من " والجواب على خبرها، فكأنه قيل على هذا : من كفر بالله فعليهم غضب إلاّ من أكره، ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب، وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما لا يظهر إلاّ من الكافر لولا الإكراه. قال القرطبي : أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر. وحكي عن محمد بن الحسن أنه إذا أظهر الكفر، كان مرتداً في الظاهر، وفيما بينه وبين الله على الإسلام، وتبين منه امرأته، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلماً، وهذا القول مردود على قائله، مدفوع بالكتاب والسنّة. وذهب الحسن البصري، والأوزاعي، والشافعي، وسحنون إلى أن هذه الرخصة المذكورة في هذه الآية إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رخصة، مثل أن يكره على السجود لغير الله، ويدفعه ظاهر الآية، فإنها عامة فيمن أكره من غير فرق بين القول والفعل، ولا دليل لهؤلاء القاصرين للآية على القول، وخصوص السبب، لا اعتبار به مع عموم اللفظ كما تقرر في علم الأصول، وجملة ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ في محل نصب على الحال من المستثنى، أي : إلا من كفر بإكراه، والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغير عقيدته، وليس بعد هذا الوعيد العظيم، وهو الجمع للمرتدين، بين غضب الله وعظيم عذابه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال : لما أراد رسول الله ﷺ أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه :( تفرّقوا عني، فمن كانت به قوّة فليتأخر إلى آخر الليل، ومن لم تكن به قوّة فليذهب في أوّل الليل، فإذا سمعتم بي قد استقرّت بي الأرض فألحقوا بي )، فأصبح بلال المؤذن، وخباب، وعمار، وجارية من قريش كانت أسلمت، فأخذهم المشركون وأبو جهل، فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى، فجعلوا يضعون درعاً من حديد في الشمس، ثم يلبسونها إياه، فإذا ألبسوها إياه، قال : أحد أحد، وأما خباب، فجعلوا يجرّونه في الشوك ؛ وأما عمار، فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية، وأما الجارية فوتد لها أبو جهل أربعة أوتاد، ثم مدّها فأدخل الحربة في قبلها حتى قتلها، ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار، فلحقوا برسول الله ﷺ فأخبروه بالذي كان من أمرهم، واشتدّ على عمار الذي كان تكلم به. فقال له رسول الله ﷺ ( كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت ؟ أكان منشرحاً بالذي قلت أم لا ؟ ) قال لا، فأنزل الله ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾. وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه قال : أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سبّ النبيّ ﷺ وذكر آلهتهم بخير، فتركوه، فلما أتى النبيّ ﷺ قال :«ما وراءك ؟» قال : شرّ، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال :«كيف تجد قلبك ؟» قال : مطمئناً بالإيمان. قال :«إن عادوا فعد» فنزلت ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ قال : ذاك عمار بن ياسر ﴿ولكن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ عبد الله بن أبي سرح. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن عساكر عن أبي مالك في قوله :﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ قال : نزلت في عمار بن ياسر، وفي الباب روايات مصرّحة بأنها نزلت في عمار ابن ياسر. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال : نزلت هذه الآية ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ في عياش بن أبي ربيعة. وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : في سورة النحل ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ثم نسخ واستثنى من ذلك فقال :﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ الآية قال : وهو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله ﷺ، فأزله الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به النبيّ ﷺ أن يقتل يوم فتح مكة، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره النبيّ ﷺ. وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن مثله. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ فيمن كان يفتي من أصحاب النبيّ ﷺ. وأخرج ابن مردويه عنه قال : كان قوم من أهل مكة قد أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فنزلت فيهم ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا﴾ الآية، فكتبوا إليهم بذلك : إنّ الله قد جعل لكم مخرجاً فأخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فنجا من نجا، وقتل من قتل. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن : أن عيوناً لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين، فأتوه بهما، فقال لأحدهما : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم. قال : أتشهد أني رسول الله ؟ فأهوى إلى أذنيه فقال : إنّي أصمّ، فأمر به فقتل ؛ وقال للآخر : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم، قال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم، فأرسله فأتى النبيّ ﷺ فقال له :( أما صاحبك، فمضى على إيمانه، وأما أنت فأخذت بالرخصة ) وهو مرسل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى