المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
هذه الآية مخاطبة للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كانت ميتة، يدل على ذلك قوله حكاية عنهم :﴿وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء﴾(١) [الأنعام: ١٣٩]، والآية تقتضي كل ما كان لهم من تحليل وتحريم فإنه كله افتراء منهم، ومنه ما جعلوه في الشهور(٢)، وقرأ السبعة وجمهور الناس «الكَذِبَ » بفتح الكاف وكسر الذال وفتح الباء، و «ما » مصدرية، فكأنه قال لوصف ألسنتكم الكذب، وقرأ الأعرج وأبو طلحة وأبو معمر والحسن، «الكذبِ » بخفض الباء على البدل من «ما »، وقرأ بعض أهل الشام ومعَاذ بن جبل وابن أبي عبلة «الكُذُبُ » بضم الكاف والذال والباء على صفحة الألسنة، وقرأ مسلمة بن محارب «الكُذبَ » بفتح الباء «الكُذُبَ » بفتح الباء على أنه جمع كذاب، ككتب في جمع كتاب، وقوله ﴿هذا حلال﴾ إشارة إلى ميتة بطون الأنعام وكل ما أحلوا، وقوله :﴿وهذا حرام﴾، إشارة إلى البحائر والسوائب وكل ما حرموا، وقوله :﴿لتفتروا على الله الكذب﴾، إشارة إلى قولهم في فواحشهم التي هذه إحداها، وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها(٣).
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يريد أنه كان شرعهم لاتباعهم سنناً لا يرضاها الله افتراء عليه ؛ لأن من شرع أمراً فكأنه قال لأتباعه هذا هو الحق، وهذا مراد الله، ثم أخبرهم الله :﴿إن الذين يفترون على الله الكذب﴾ لا يبلغون الأمل، و «الفلاح » بلوغ الأمل، فطوراً يكون في البقاء، كما قال الشاعر : والصبح والمسى لا فلاح معه. ويشبه أن هذه الآية من هذا المعنى، يقوي ذلك قوله :﴿متاع قليل﴾، وقد يكون في المساعي، ومنه قول عبيد : بالرجز ]
أفلح بما شئت فقد يبلغ. . . بالضعف وقد يخدع الأريب(٤)
١ من الآية (١٣٩) من سورة (الأنعام)..
٢ ذكره الله تعالى في الآية (٣٧) من سورة (التوبة) في قوله سبحانه: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما﴾ الآية..
٣ من الآية (٢٨) من سورة (الأعراف)..
٤ البيت من قصيدة لعبيد بن الأبرص يعدها ابن قتيبة أجود شعره، وواحدة من المعلقات السبع، وعدها التبريزي من القصائد العشر، ومطلعها:
أقفر من أهله ملحــــــــــــــوب فالقطبيــــــــــــــــات فالذنوب
ومعنى أفلح: عش، من الفلاح وهو البقاء، وفي المنتهي: أفلج، ويروى (يدرك) بدلا من (يبلغ)، وفي اللسان (بالنوك) بدلا من (بالضعف)، وضبطها محقق الديوان بضم النون المشددة، يقول: عش كيف شئت، فقد يدرك الضعيف بضعفه ما لا يدرك القوي، وقد يخدع الأريب العاقل عن عقله، قيل: سأل سعيد بن العاصي الحطيئة: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول: أفلح بما شئت..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى