البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ولما رغب في الشكر ذكر أنه من ملة خليله إبراهيم عليه السلام، ودين حبيبه –عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم-، تحريضا عليه، فقال تعالى :
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ * ﴿شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ * ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ * ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿إِنَّ إِبراهيم كان أُمةً﴾، أي : إمامًا قدوة ؛ قال تعالى :
﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة: ١٢٤]، قال ابن مسعود :" الأُمة : معلّم الناس الخيرَ "، أو أمة وحده، اجتمع فيه ما افترق في غيره، فكان وحده أمة من الأمم ؛ لكماله واستجماعه لخصال الكمال التي لا تكاد تجتمع إلا في أشخاص كثيرة، كقول الشاعر(١) :
ولَيْسَ عَلَى الله بمُسْتَنْكَرٍأنْ يَجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِد
وهو رئيس الموحدين، وقدوة المحققين، جادل فرق المشركين، وأبطل مذاهبهم الزائفة بالحجج الدامغة. ولذلك عقَّب ذكره بتزييف مذاهب المشركين. أو : لأنه كان وحده مؤمنًا وسائر الناس كفارًا، قاله البيضاوي. وكان ﴿قانتًا لله﴾ ؛ مطيعًا قائمًا بأوامره، ﴿حنيفًا﴾، مائلاً عن الباطل، ﴿ولم يَكُ من المشركين﴾، وأنتم يا معشر قريش تزعمون أنكم على دينه، وأنتم مشركون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كل من تمسك بطاعة الله ظاهرًا، أو مال عما سوى الله باطنًا، وشكر الله دائمًا، ودعا الناس إلى هذا الأمر العظيم : كان وليًا إبراهيميًا، محمديًا، خليلاً حبيبًا، مقربًا، قد اجتباه الحق تعالى إلى حضرته، وهداه إلى صراط مستقيم، وعاش في الدنيا سعيدًا، ومات شهيدًا، وألحق بالصالحين. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه.

١ البيت لأبي نواس في ديوانه ١/٣٤٩، وبلا نسبة في شرح قطر الندى ص١١٤، وفي الديوان: "ليس على الله"، بدل: "وليس على الله"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى