التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف خليله ابراهيم - عليه السلام - بجملة من الصفات الفاضلة. والمناقب الحميدة.
وصفه أولا - بأنه ﴿كان أمة﴾.
ولفظ ﴿أمة﴾ يطلق فى اللغة بإطلاقات متعددة، منها : الجماعة، كما فى قوله - تعالى - :﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ الناس يَسْقُونَ﴾ أى : جماعة من الناس...
ومنها : الدين والملة، كما فى قوله - تعالى - ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ..﴾ أى : على دين وملة.
ومنها : الحين والزمان كما فى قوله - سبحانه - :﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ أى : إلى زمان معين.
والمراد بقوله - سبحانه - :﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً..﴾ أى : كان عنده من الخير ما كان عند أمة، أى جماعة كثيرة من الناس، وهذا التفسير مروى عن ابن عباس.
وقال مجاهد : سمى - عليه السلام - أمة لانفراده بالإِيمان فى وقته مدة ما.
وفى صحيح البخارى أنه قال لزوجته سارة : ليس على الأرض اليوم مؤمن غيرى وغيرك.
ويصح أن يكون المراد بقوله - تعالى - :﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً..﴾ أى : كان إماما يقتدى به فى وجوه الطاعات. وفى ألوان الخيرات، وفى الأعمال الصالحات، وفى إرشاد الناس إلى أنواع البر، قال - تعالى - :﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً..﴾ ووصفه ثانيا - بأنه كان ﴿قانتا لله﴾ أى مطيعا لله، خاضعا لأوامره ونواهيه، من القنوت وهو الطاعة مع الخضوع.
ووصفه - ثالثا - بأنه كان، حنيفا، أى : مائلا عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق. من الحنف بمعنى الميل والاعوجاج، يقال : فلان برجله حنف أى اعوجاج وميل.
ومنه قول أم الأحنف بن قيس وهى تداعبه :
والله لولا حنف برجله... ما كان فى فتيانكم من مثله
ووصفه - رابعا - بأنه منزه عن الإِشراك بالله - تعالى - فقال :﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين﴾.
أى : ولم يكن ابراهيم - عليه السلام - من الذين أشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة أو الطاعة، أو فى أى من الأمور، بل أخلص عبادته لخالقه - عز وجل -.
وقال - كما حكى القرآن عنه - :﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات والأرض حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى