البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وإن عاقبتم أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة وغيره في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري، وفي كتاب السير.
وذهب النحاس إلى أنها مكية، والمعنى متصل بما قبلها اتصالاً حسناً، لأنها تتدرج الذنب من الذي يدعي، وتوعظ إلى الذي يجادل، إلى الذي يجازى على فعله، ولكن ما روى الجمهور أثبت انتهى.
وذهبت فرقة منهم ابن سيرين ومجاهد : إلى أنها نزلت فيمن أصيب بظلامة أنْ لا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ظلامته لا يتعداها إلى غيرها، وسمى المجازاة على الذنب معاقبة لأجل المقابلة، والمعنى : قابلوا من صنع بكم صنيع سوء بمثله، وهو عكس :﴿ومكروا ومكر الله﴾ المجاز في الثاني وفي : وإنْ عاقبتم في الأول.
وقرأ ابن سيرين : وإنْ عقبتم فعقبوا بتشديد القافين أي : وإنْ قفيتم بالانتصار فقفوا بمثل ما فعل بكم.
والظاهر عود الضمير إلى المصدر الدال عليه الفعل مبتدأ بالإضافة إليهم أي : لصبركم وللصابرين أي : لكم أيها المخاطبون، فوضع الصابرين موضع الضمير ثناء من الله عليهم بصبرهم على الشدائد، وبصبرهم على المعاقبة.
وقيل : يعود إلى جنس الصبر، ويراد بالصابرين جنسهم، فكأنه قيل : والصبر خير للصابرين، فيندرج صبر المخاطبين في الصبر، ويندرجون هم في الصابرين.
ونحوه :﴿فمن عفا وأصلح﴾ ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى