زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، في سبب نزولها قولان :
أحدهما : أن رسول الله ﷺ أشرف على حمزة، فرآه صريعا، فلم ير شيئا كان أوجع لقلبه منه، فقال :( والله لأمثلن بسبعين منهم )، فنزل جبريل، والنبي ﷺ واقف، بقوله :﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ. . .﴾ إلى أخرها، فصبر رسول الله وكفر عن يمينه، قاله أبو هريرة. وقال ابن عباس : رأى رسول الله ﷺ حمزة قد شق بطنه، وجدعت أذناه، فقال :( لولا أن تحزن النساء، أو تكون سنة بعدي لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير، ولأقتلن مكانه سبعين رجلا منهم )، فنزل قوله :﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبّكَ﴾ إلى قوله :﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾، وروى الضحاك عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال يومئذ :( لئن ظفرت بقاتل حمزة لأمثلن به مثلة تتحدث بها العرب )، وكانت هند وآخرون معها قد مثلوا به، فنزلت هذه الآية.
والثاني : أنه أصيب من الأنصار يوم أحد أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة، ومثلوا بقتلاهم، فقالت الأنصار : لئن أصبنا منهم يوما من الدهر، لنزيدن على عدتهم مرتين، فنزلت هذه الآية، قاله أبي بن كعب وروى أبو صالح عن ابن عباس أن المسلمين قالوا : لئن أمكننا الله منهم، لنمثلن بالأحياء فضلا عن الأموات، فنزلت هذه الآية. يقول : إن كنتم فاعلين، فمثلوا بالأموات، كما مثلوا بأمواتكم. قال ابن الأنباري : وإنما سمى فعل المشركين معاقبة وهم ابتدؤوا بالمثلة، ليزدوج اللفظان، فيخف على اللسان، كقوله :﴿وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].

فصل : واختلف العلماء، هل هذه الآية منسوخة، أم لا ؟ على قولين :


أحدهما : أنها نزلت قبل ﴿بَرَاءةٌ﴾، فأمر رسول الله ﷺ أن يقاتل من قاتله، ولا يبدأ بالقتال، ثم نسخ ذلك، وأمر بالجهاد، قاله ابن عباس، والضحاك، فعلى هذا يكون المعنى :﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ﴾ عن القتال، ثم نسخ هذا بقوله :﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
والثاني : أنها محكمة، وإنما نزلت فيمن ظلم ظلامة، فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما ناله الظالم منه، قاله مجاهد، والشعبي، والنخعي، وابن سيرين، والثوري، وعلى هذا يكون المعنى : ولئن صبرتم عن المثلة، لا عن القتال.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى