اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
﴿واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله﴾، أي : بتوفيقه ومعونته، وهذا هو السبب الكلي الأصلي في حصول جميع أنواع الطاعات.
ولما ذكر هذا السبب الكليَّ الأصلي، ذكر بعده ما هو السببُ الجزئي القريب ؛ فقال - جل ذكره- :﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ ؛ وذلك لأنَّ إقدام الإنسان على الانتقام، وعلى [ إنزال ](١) الضرر بالغير لا يكون إلا من هيجان الغضب، وشدَّة الغضب لا تحصل إلا لأحد أمرين :
أحدهما : فوات نفع كان حاصلاً في الماضي، وإليه الإشارة بقوله تعالى :﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، قيل : معناه : ولا تحزن على قتلى " أحدٍ "، أي : ولا تحزن بفوات أولئك الأصدقاء وقيل : ولا تحزن عليهم في إعراضهم عنك، ويرجع حاصله إلى فوات النفع.
والسبب الثاني : أن شدَّة الغضب قد تكون لتوقع ضرر في المستقبل، وإليه الإشارة بقوله :﴿وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾، ومن وقف على هذه اللَّطائف، عرف أنَّه لا يمكن كلام [ أدخل ] في الحسن والضبط من هذا الكلام.
قوله :" للصَّابِرينَ "، يجوز أن يكون عامًّا، أي : الصبر خير لجنس الصَّابرين، وأن يكون من وقوع الظَّاهر موقع المضمر، أي : صبركم خير لكم.
قوله :" إلاَّ بالله "، أي : بمعونته، فهي للاستعانة.
قوله :" في ضَيْقٍ "، قرأ ابن كثير(٢) هنا وفي النَّمل : بكسر الضاد، والباقون : بالفتح، فقيل : هما لغتان بمعنًى في هذا المصدر ؛ كالقول والقِيل.
وقيل : المفتوح مخفَّف من " ضَيِّق " ؛ ك " مَيْت " في " مَيِّت "، أي : في أمر ضيِّق، فهو مثل هَيْن في هيِّن، و " لَيْن " في " لَيِّن "، قاله ابن قتيبة.
وردَّه الفارسي(٣) : بأن الصفة غير خاصة بالموصوف، فلا يجوز ادِّعاء الحذف ولذلك جاز : مررت بكاتب، وامتنع بآكلٍ.
وأما وجه القراءة بالفتح، قال أبو عبيدة الضيِّقُ بالكسر في قلَّة المعاش والمساكن، وما كان في القلب، فإنه الضَّيْق.
وقال أبو عمرو :" الضِّيقُ بالكسر : الشدَّة، والضَّيقُ بالفتح : الغمُّ ".
قوله تعالى :﴿مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾، متعلق ب " ضَيْقٍ " و " مَا " مصدرية، أو بمعنى الذي، والعائد محذوف.

فصل


هذا من الكلام المقلوب ؛ لأن الضَّيق صفة، والصفة تكون حاصلة في الموصوف، ولا يكون الموصوف حاصلاً في الصفة، فيكون المعنى : فلا يكن الضيق فيك ؛ لأن الفائدة في قوله :﴿وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾، هو أنَّ الضِّيق إذا عظم وقوي، صار كالشيء المحيط بالإنسان من الجوانب، وصار كالقميص المحيط به، فكانت الفائدة في هذا اللفظ هذا المعنى.
المرتبة الرابعة : قوله :
١ في ب: ترك..
٢ ينظر: السبعة ٣٧٦، والحجة ٣٩٥، والنشر ٢/٣٠٥، والإتحاف ٢/١٩١، والقرطبي ١٠/١٣٣. والبحر ٥/٥٣١، والدر المصون ٤/٣٦٧.
ونسبت هذه القراءة إلى نافع، ولا يصح هذا..

٣ ينظر: الحجة ٥/٨٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى