المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله :﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ الآية، هذه العزيمة على رسول الله ﷺ في الصبر عن المجازاة في التمثيل بالقتلى، قال ابن زيد : هذه الآية منسوخة بالقتال وجمهور الناس على أنها محكمة، ويروى أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه :«أما أنا فأصبر كما أمرت فماذا تصنعون ؟ »، قالوا : نصبر يا رسول الله كما ندبنا(١)، وقوله :﴿وما صبرك إلا بالله﴾، أي : بمعونة الله وتأييده لك على ذلك، والضمير في قوله :﴿عليهم﴾، قيل : يعود على الكفار، أي : لا تتأسف على أن لم يسلموا، وقالت فرقة : بل يعود على القتلى : حمزة وأصحابه الذين حزن عليهم رسول الله ﷺ، والأول أصوب يكون عود الضمير على جهة واحدة، وقرأ الجمهور في «ضَيْق » بفتح الضاد، وقرأ ابن كثير في «ضِيق » بكسر الضاد ورويت عن نافع وهو غلط ممن رواه، قال بعض اللغويين : الكسر والفتح في الضاد لغتان في المصدر وقال أبو عبيدة : الضِيق مصدر، والضَّيْق مخفف من ضيِّق كميْت وميت، وهيْن وهيِّن، قال أبو علي الفارسي : والصواب أن يكون الضيْق لغة في المصدر ؛ لأنه إن كان مخففاً من ضيِّق لزم أن تقام الصفة مقام الموصوف، وليس هذا موضع ذلك.
قال القاضي أبو محمد : الصفة إنما تقوم مقام الموصوف إذا تخصص الموصوف من نفس الصفة، كما تقول رأيت ضاحكاً فإنما تخصص الإنسان، ولو قلت : رأيت بارداً لم تحسن، وببارد مثل سيبويه رحمه الله «وضيق » لا يخصص الموصوف، وقال ابن عباس وابن زيد : إن ما في هذه الآية من الأمر بالصبر منسوخ.
قال القاضي أبو محمد : الصفة إنما تقوم مقام الموصوف إذا تخصص الموصوف من نفس الصفة، كما تقول رأيت ضاحكاً فإنما تخصص الإنسان، ولو قلت : رأيت بارداً لم تحسن، وببارد مثل سيبويه رحمه الله «وضيق » لا يخصص الموصوف، وقال ابن عباس وابن زيد : إن ما في هذه الآية من الأمر بالصبر منسوخ.
١ في نفس المعنى ونفس الآية أخرج الإمام أحمد في مسنده (٥ ـ ١٣٥) عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار أربعة وستون رجلا، و من المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنربين عليهم، فلما كان يوم الفتح قال رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمن الأسود والأبيض إلا فلانا و فلانا ـ ناسا سماهم ـ فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نصبر ولا نعاقب)..