البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
واللام في ﴿ليحملوا﴾ : لام العاقبة والصيرورة، أي : قالوا : هو أساطير الأولين ؛ فأوجب ذلك أن يحملوا أوزارهم وأوزار غيرهم، وقيل : لام الأمر، و﴿بغير علم﴾ : حال من المفعول في ﴿يُضلونهم﴾، أو من الفاعل.
﴿ليحملوا أوزارهَم كاملةً يوم القيامة﴾ أي : قالوا ذلك ؛ ليُضلوا الناس، فكان عاقبتهم أن حملوا أوزار ضلالهم كاملة، ﴿ومن أوزارِ الذين يُضلونهم﴾ : وبعض أوزار ضلال من كانوا يضلونهم - وهو حصة التسبب في الوقوع في الضلال - حال كونهم ﴿بغير علم﴾ أي : يضلون من لا يعلم أنهم ضُلاّل. وفيه دليل على أن الجاهل في العقائد غير معذور ؛ إذ كان يجب عليه أن يبحث عن الحق وأهله، وينظر في دلائله وحُججه.
قال البيضاوي :﴿بغير علم﴾ : حال من المفعول ؛ أي : يضلون من لا يعلم أنهم ضُلاّل، وفائدتها : الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم ؛ إذ كان عليهم أن يبحثوا، ويميزوا بين المحق والمبطل. ه. وقال المحشي : ففيه ذم تقليد المبطل، وأن مقلده غير معذور، بخلاف تقليد المحق الذي قام بشاهد صدقه المعجزة، أو غير ذلك، كدليل العقل والنقل فيما تعتبر دلالته. ه.
قلت : ويجوز أن يكون حالاً من الفاعل، أي : يُضِلُّونَ في حال خلوهم من العلم، فقد جمعوا بين الضلال والإضلال.
قال تعالى في شأن أهل الإضلال :﴿ألا سَاءَ ما يَزِرُون﴾، أي : بئس شيئًا يزرونه فعلهم هذا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : وإذا قيل لأهل الغفلة والإنكار : ماذا أنزل ربكم، على قلوب أولياء زمانكم ؛ من المواهب وأسرار الخصوصية ؟ قالوا : أساطير الأولين، ثم عَوَّقُوا الناس عن الدخول في طريقهم ؛ لتطهير قلوبهم، فيحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ؛ حيث ماتوا مصرين على الكبائر وهم لا يشعرون.
ويحملون من أوزار الذين يضلونهم عن طريق الخصوص بغير علم، بل جهلاً وعنادًا وحسدًا، ألا ساء ما يزرون.
قلت : الذي أتلف العوام عن الدين ثلاثة أصناف : علماء السوء، وفقراء السوء - وهم أهل الزوايا والنسبة -، وقراء السوء ؛ لأن هؤلاء هم المقتدى بهم، والمنظور إليهم، فإذا رأوهم أقبلوا على الدنيا، وقصروا في الدين، تبعوهم على ذلك ؛ فضلوا معهم، فقد ضلوا وأضلوا، وإذا أنكروا على أولياء الله، ومكروا بهم، اقتدوا بهم في ذلك، فيتولى الله حفظ أوليائه، ويهدم مكرهم ؛ قال تعالى :﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾... الآية، فإذا كان يوم القيامة أبعدهم عن حضرته، وأسكنهم مع عوام خلقه. فإذا أنكروا ما فعلوا في الدنيا، يقال لهم :﴿بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون﴾، فيخلدون في عذاب القطيعة والحجاب، فبئس مثوى المتكبرين. والله تعالى أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى