اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
ثم بين - تعالى - أن عذابهم لا يكون مقصوراً على هذه القدر، بل الله - تعالى - يخزيهم [ يومَ ] القيامة، و الخِزْيُ : هو العذاب مع الهوانِ ؛ فإنه يقول لهم :﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾.
قال أبو العبَّاس المقريزيُّ - رحمه الله- : ورد لفظ " الخِزْي " في القرآن على أربعة [ معانٍ ](١) :
الأول : بمعنى العذاب ؛ كهذه الآية ؛ وكقوله تعالى :﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] أي : لا تُعذِّبني.
الثاني : بمعنى القَتْلِ ؛ قال تعالى :﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا﴾ [البقرة: ٨٥]، أي : القتلُ.
قيل : نزلت في بني قريظة، ومثله :﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله لَهُ فِي الدنيا خِزْيٌ﴾ [الحج: ٩] أي : فضيحة. قيل : نزلت في النضر بن الحارث.
الثالث : بمعنى الهوان، قال تعالى :﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ﴾ [يونس: ٩٨] أي الهوان.
الرابع : بمعنى الفضيحة قال تعالى :﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] أي فضحته، ومثله :﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] ومثله :﴿وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨] ومثله :﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض ذلك لَهُمْ خِزْيٌ﴾ [المائدة: ٣٣].
قوله :﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ﴾ مبتدأ وخبر، والعامة على " شُركَائِيَ " ممدوداً، مهموزاً، مفتوح الياءِ، وفرقة كذلك تسكنها(٢) فتسقط وصلاً ؛ لالتقاء الساكنين، وقرأ البزي(٣) - بخلاف عنه - بقصره مفتوح الياء، وقد أنكر جماعة هذه القراءة، وزعموا أنها غير(٤) مأخوذ بها ؛ لأنَّ قصر الممدود لا يجوز إلاَّ ضرورة.
وتعجب أبو شامة من أبي عمرٍو الدانيِّ، حيث ذكرها في كتابه ؛ مع ضعفها، وترك قراءاتٍ شهيرة واضحة.
قال شهاب الدِّين(٥) :" وقد روى ابن كثيرٍ - أيضاً - قصر التي في القصص، وروي عنه - أيضاً - قصرُ " وَرائِي " في مريم، وروي عنه أيضاً قَصْرُ :﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: ٧] في سورة العلق، فقد روى عنه قصر بعض الممدودات، فلا يبعد رواية ذلك هنا عنه ".
وبالجملة : قصر الممدود ضعيفٌ ؛ ذكره غير واحدٍ ؛ لكن لا يصلُ به إلى حدِّ الضرورة.
قوله :" تُشَاقُّون " قرأ نافع(٦) : بكسر النون خفيفة، والأصل : تُشاقُّونِّي فحذفها مجتزئاً عنها بالكسرة.
والباقون : بفتحها، خفيفة، ومفعوله محذوف، أي : تشاقُّون المؤمنين، أو تشاقُّون الله ؛ بدليل القراءة الأولى.
وضعَّف أبو حاتم هذه القراءة ؛ أعني : قراءة نافع، وقرأت فرقة(٧) : بتشديدها مكسورة، والأصل : تُشَاقُّوننِي ؛ فأدغم، وقد تقدم تفصيل ذلك في :﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ [الأنعام: ٨٠] و﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] وسيأتي في قوله تعالى :﴿أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونِّي﴾ [الزمر: ٦٤].

فصل


قال الزجاج : قوله ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ﴾، أي : في زعمكم، واعتقادكم، ونظيره :﴿أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] وحسنت هذه الإضافة لأنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سببٍ ؛ كما يقال لمن يحمل خشبة :" خُذْ طَرفَكَ، وآخُذُ طَرفِي " فأضاف الطَّرفَ إليهِ.
ومعنى " تُشَاقُّونَ " أي : تعادون، وتخاصمون المؤمنين في شأنهم، والمشاقَّة : عبارة عن كون أحد الخصمين في شقٍّ، والخصم الآخر في الشق الآخر.
ثم قال تعالى :﴿قَالَ الذين أُوتُواْ العلم﴾ قال ابن عباسٍ : يريد الملائكة(٨)، وقال آخرون : هم المؤمنون الذين يقولون حين يرون خزي الكفار في القيامة :﴿إِنَّ الخزي اليوم والسوء﴾ العذاب ﴿عَلَى الكافرين﴾ وفائدة هذا الكلام : أنَّ الكفار كانوا يتكبَّرون على المؤمنين في الدنيا، فإذا ذكر المؤمنون هذا الكلام يوم القيامة ؛ كان هذا الكلام في إيذاء الكفار أكمل وحصول الشماتة أقوى.

فصل في احتجاج المرجئة بالآية


احتج المرجئة بهذه الآية على أنَّ العذاب مختصٌّ بالكافرين، [ قالوا :] فإن قوله تعالى :﴿إِنَّ الخزي اليوم والسوء﴾ في يوم القيامة مختص بالكافرين، ويؤكد هذا قول موسى - عليه السلام- :﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى﴾ [طه: ٤٨].
قوله :" اليَوْمَ " منصوب ب " الخِزْيَ " وعمل المصدر فيه " ألْ " وقيل : هو منصوب بالاستقرار في ﴿عَلَى الكافرين﴾ إلاَّ أنَّ فيه فصلاً بالمعطوف بين العامل ومعموله ؛ واغتفر ذلك ؛ لأنهم يتوسَّعون في الظروف.
١ في أ: أوجه..
٢ ينظر: السبعة ٣٧١، والإتحاف ٢/١٨٢، والتيسير ١٣٧، والنشر ٢/٣٠٣، والبحر ٥/٤٧١، والدر ٤/٣٢٢..
٣ ينظر: الإتحاف ٢/١٨٢، والنشر ٢/٣٠٣، والحجة لأبي علي الفارسي ٥/٦٠، والقرطبي ١٠/٦٦، والبحر ٥/٤٧١، والدر المصون ٤/٣٢٢..
٤ سقط من ب..
٥ ينظر: الدر المصون ٤/٣٢٢..
٦ ينظر: السبعة ٣٧١، والإتحاف ٢/١٨٣، والتيسير ١٣٧، والنشر ٢/٣٠٣، والبحر ٥/٤٧١، والدر المصون ٤/٣٢٢..
٧ ينظر: البحر ٥/٤٧١، والدر المصون ٤/٣٢٢..
٨ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٠/١٨) عن ابن عباس..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى