المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله ﴿ثم يوم القيامة﴾ الآية، ذكر الله تعالى في هذه الآية المتقدمة حال هؤلاء الماكرين في الدنيا، ثم ذكر في هذه حالهم في الآخرة وقوله ﴿يخزيهم﴾ لفظ يعم جميع المكاره التي تنزل بهم، وذلك كله راجع إلى إدخالهم النار، وهذا نظير قوله ﴿ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾(١) [ آل عمران : ١٩٢ }. وقوله أين شركائي } توبيخ لهم وأضافهم إلى نفسه في مخاطبة الكفار أي على زعمكم ودعواكم، قال أبو علي : وهذا كما قال الله تعالى حكاية ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾(٢) [الدخان: ٤٩] وكما قال ﴿يا أيها الساحر ادع لنا ربك﴾(٣) [الزخرف: ٤٩].
قال القاضي أبو محمد : والإضافات تترتب معقولة وملفوظاً بأَرَق سبب، وهذا كثير في كلامهم، ومنه قول الشاعر :
إذا قلت قدني قال تالله حلفة. . . لتغني عني ذا إنائك أجمعا(٤)
فأضاف الإناء إلى حابسه، وقرأ البزي عن ابن كثير «شركاي » بقصر الشركاء، وقرأت فرقة «شركاءي » بالمد وياء ساكنة، و ﴿تشاقون﴾ معناه تحاربون وتحارجون، أي تكون في شق والحق في شق، وقرأ الجمهور «تشاقونَ » بفتح النون، وقرأ نافع وحده بكسر النون، ورويت عن الحسن بخلاف وضعف هذه القراءة أبو حاتم، وقد تقدم القول في مثله في الحجر في ﴿تبشرون﴾(٥) [الحجر: ٥٤]، وقرأت فرقة «تشاقونّي » بشد النون وياء بعدها، و ﴿الذين أوتوا العلم﴾ هم الملائكة فيما قال بعض المفسرين، وقال يحيى بن سلام : هم المؤمنون وهذا الخطاب منهم يوم القيامة.
قال القاضي أبو محمد : والصواب أن يعم جميع من آتاه الله علم ذلك من جميع من حضر الموقف من ملك أو إنسي، وغير ذلك، وباقي الآية بين.
١ من الآية (١٩٢) من سورة (آل عمران)..
٢ الآية (٤٩) من سورة (الدخان)..
٣ من الآية (٤٩) من سورة (الزخرف)..
٤ البيت لحريث بن عناب الطائي، وهو في (الخزانة)، و في (اللسان ـ لوم)، ورواية اللسان:
إذا هو آلى حلفة قلت مثلها لتغني عني ذا أتى بك أجمعا
وقال: أراد: ليغنين، فأسقط النون وكسر اللام، ويروى: لتغنن. أما على رواية المؤلف والخزانة فإن قدني بمعنى: حسبي، وذا إنائك: صاحب إنائك، يريد به اللبن، والمعنى أنه حلف أن أغني عنه لبن الإناء جميعا، أي: أشربه عنه. والشاهد فيه هو إضافة الإناء إلى شاربه كما ذكر المؤلف..

٥ من قوله تعالى في الآية (٥٤) من سورة (الحجر): ﴿قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون﴾..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى