اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ يجوز أن يكون هو المخصوص بالمدح ؛ فيجيء فيها ثلاثة أوجهٍ :
رفعها بالابتداءِ، والجملة المتقدمة خبرها.
أو رفعها بالابتداءِ، والخبر محذوف ؛ وهو أضعفها، وقد تقدم تحقيق ذلك.
ويجوز أن يكون " جَنَّاتُ عَدنٍ " خبر مبتدأ مضمرٍ لا على ما تقدم، بل يكون المخصوص [ بالمدح ](١) محذوفاً ؛ تقديره : ولنعم دارُ المتقين دارهم هي جنات.
وقدره الزمخشري :﴿ولنِعْمَ دارُ المتَّقِينَ دَارُ الآخرة﴾ " ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر جملة، من قوله " يَدْخُلونهَا " ويجوز أن يكون الخبر مضمراً، تقديره : لهم جنَّات عدنٍ، ودلَّ على ذلك قوله :﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ﴾.
والعامة على رفع " جَنَّات " على ما تقدم، وقرأ زيد(٢) بن ثابت، والسلميُّ " جَنَّاتِ " نصباً على الاشتغالِ بفعلٍ مضمرٍ، تقديره : يدخُلونَ جنَّاتِ عدْنٍ يَدخُلونهَا، وهذا يقوي أن يكون " جَنَّاتُ " مبتدأ، و " يَدْخُلونهَا " الخبر في قراءةِ العامَّة، وقرأ زيد(٣) بن عليٍّ :" ولنِعْمَتْ " بتاءِ التأنيث، مرفوعة بالابتداء و " دَارِ " خفض بالإضافة، فيكون " نِعْمَت " مبتدأ و " جَنَّات عَدْنٍ " الخبر. و " يدخلونها " في جميع ذلك نصب على الحال، إلا إذا جعلناه خبراً ل " جنات "، وقرأ نافع(٤) في رواية :" يُدخَلُونهَا " بالياء من تحت ؛ مبنياً للمفعول.
وقرأ أبو عبد الرحمن(٥) :" تَدْخُلونهَا " بتاء الخطاب مبنياً للفاعل.
قوله :﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ يجوز أن يكون منصوباً على الحال من " جَنَّاتُ " قاله ابن عطيَّة، وأن يكون في موضع الصفة ل " جنَّات " قاله الحوفيُّ، والوجهان مبنيَّان على القول في " عَدْنٍ " هل هي معرفة ؛ لكونه علماً، أو نكرة ؟ فقائل الحال : لحظ الأول، وقائل النَّعتِ : لحظ الثاني.
قوله :﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ﴾ الكلام في هذه الجملة، كالكلام في الجملة قبلها، والخبر إمَّا " لَهُمْ " وإمَّا " فِيهَا ".
قوله :" كَذلِكَ " الكاف في محل نصب على الحال من ضمير المصدر ؛ أو نعتاً لمصدرٍ مقدَّر، أو في محل رفع خبر المبتدأ مضمر، أي : الأمر كذلك و﴿يَجْزِي الله المتقين﴾ مستأنف.

فصل


قال الحسن : دار المتقين هي الدُّنيَا ؛ لأنَّ أهل التَّقوى يتزوَّدون فيها للآخرة(٦).
وقال أكثرُ المفسرين : هي الجنَّة، ثم فسرها فقال :﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ فقوله " جَنَّاتُ عدْنٍ " يدلُّ على القصور، والبساتين، وقوله :" عَدْنٍ " يدل على الدَّوامِ، وقوله :﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها، والأنهار جارية من تحتهم، ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ﴾ من كلِّ الخيراتِ، ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي الله المتقين﴾ أي : هذا جزاء التَّقوى.
١ زيادة من: أ..
٢ ينظر: البحر ٥/٤٧٤، والمحرر ٨/٤٠٧، والدر المصون ٤/٣٢٤..
٣ ينظر: البحر ٥/٤٧٤، والدر ٤/٣٢٤..
٤ قرأ بها نافع ينظر: البحر ٥/٤٧٤، والدر ٤/٣٢٤..
٥ ينظر: السابق نفسه..
٦ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٣/١٨٧) والبغوي في "تفسيره" (٣/٦٧)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى