جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يعني تعالى ذكر بقوله : جَنّاتُ عَدْنٍ بساتين للمقام، وقد بيّنا اختلاف أهل التأويل في معنى عدن فيما مضى بما أغنى عن إعادته. يَدْخُلُونَها يقول : يدخلون جنات عدن. وفي رفع «جناتٌ » أوجه ثلاث : أحدها : أن يكون مرفوعا على الابتداء، والآخر : بالعائد من الذكر في قوله :«يَدْخُلُونَها »، والثالث : على أن يكون خبر النعم، فيكون المعنى إذا جعلت خبر النعم : ولنعم دار المتقين جنات عدن، ويكون «يَدْخُلُونَها » في موضع حال، كما يقال : نعم الدار دار تسكنها أنت. وقد يجوز أن يكون إذا كان الكلام بهذا التأويل «يدخلونها » من صلة «جنات عدن ». وقوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهَارُ يقول : تجري من تحت أشجارها الأنهار. لَهُمْ فِيها ما يشاءُونَ يقول : للذين أحسنوا في هذه الدنيا في جنات عدن ما يشاءون مما تشتهي أنفسهم وتلذّ أعينهم. كَذلكَ يَجْزِي اللّهُ المُتّقِينَ يقول : كما يجزي الله هؤلاء الذين أحسنوا في هذه الدنيا بما وصف لكم أيها الناس أنه جزاهم به في الدنيا والآخرة، كذلك يجزي الذين اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وقوله (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ) يقول تعالى ذكره: للذين آمنوا بالله في هذه الدنيا ورسوله، وأطاعوه فيها، ودعوا عباد الله إلى الإيمان والعمل بما أمر الله به، حسنة، يقول: كرامة من الله (وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ) يقول: ولدار الآخرة خير لَهُمْ مِنْ دَارِ الدُّنْيا، وكرامة الله التي أعدّها لهم فيها أعظم من كرامته التي عجلها لهم في الدنيا (وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ) يقول: ولنعم دار الذين خافوا الله في الدنيا فاتقوا عقابه بأداء فرائضه وتجنب معاصيه دار الآخرة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ) وهؤلاء مؤمنون، فيقال لهم (مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ) فيقولون (خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ) : أي آمنوا بالله وأمروا بطاعة الله، وحثوا أهل طاعة الله على الخير ودعوهم إليه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾
يعني تعالى ذكره بقوله (جَنَّاتُ عَدْنٍ) بساتين للمقام، وقد بيَّنا اختلاف أهل التأويل في معنى عدن فيما مضى بما أغنى عن إعادته (يَدْخُلُونَها) يقول: يدخلون جنات عدن، وفي رفع جنات أوجه ثلاث: أحدها: أن يكون مرفوعا على الابتداء، والآخر: بالعائد من الذكر في قوله (يَدْخُلُونَها) والثالث: على أن يكون خبر النعم، فيكون المعنى إذا جعلت خبر النعم: ولنعم دار المتقين جنات عدن، ويكون (يَدْخُلُونَها) في موضع حال، كما يقال: نعم الدار دار تسكنها أنت، وقد يجوز أن يكون إذا كان الكلام بهذا التأويل يدخلونها، من صلة جنات عدن، وقوله (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ) يقول: تجري من تحت