اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
ثم بين إمكان الحشر، والنشر ؛ بأن كونه - تعالى - موجداً للأشياء، لا يتوقف على سبق مادة، ولا مدة، ولا آلة ؛ وهو تعالى إنما يكونها بقوله :" كُنْ ".
فقال ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وكما أنه قدر على ابتداء إيجاده ؛ وجب أن يكون قادراً على إعادته.
قوله :" وأقْسَمُوا " ظاهره أنه استئناف خبر، وجعله الزمخشريُّ نسقاً على " وقَالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا " إيذاناً بأنهما كفرتان عظيمتان، وقوله " بَلَى " إثبات لما بعد النفي. قوله " وعْداً عَليْهِ حقًّا " هذان المصدران منصوبان على المصدر المؤكد، أي : وعد ذلك وعداً وحق حقًّا.
وقيل :" حقًّا " نعت ل " وعْداً " والتقدير : بلى يبعثهم، وعد بذلك وعداً حقًّا.
وقرأ الضحاك(١) :" وعْد عَليْهِ حَقٌّ " برفعهما ؛ على أنَّ " وعْدٌ " خبر مبتدأ مضمر، أي : بلى يبعثهم وعد على الله، و " حَقٌّ " نعت ل " وعْدٌ ".
قوله :" لِيُبَيِّنَ " هذه اللام متعلقة بالفعل المقدَّر بعد حرف الإيجاب، أي : بلى يبعثهم، ليبيَّن، وقوله " كُنْ فَيكُونُ " تقدم في البقرة، " واللام " في " لِشيْءٍ " وفي " لَهُ " لام التبليغ ؛ كهي في قوله قلت لهُ قُمْ فقَامَ، وجعلها الزجاج للسبب فيهما، أي : لأجل شيء أن يقول لأجله، وليس بواضح.
وقال ابن عطية(٢) :" وقوله " أنْ نَقُولَ " ينزَّل منزلة المصدر، كأنه قال : قولنا ؛ ولكن " أنْ " مع الفعل تعطي استقبالاً ليس في المصدر في أغلب أمرها، وقد يجيء في مواضع لا يلحظ فيها الزمن ؛ كهذه الآية ؛ وكقوله - سبحانه وتعالى- :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السمآء والأرض بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] إلى غير ذلك ".
قال أبو حيَّان(٣) : وقوله :" ولكن " أنْ " مع الفعل يعني المضارع " وقوله :" في أغلب أمرها " ليس بجيدٍ ؛ بل تدل على المستقبل في جميع أمورها، وقوله :" قد تجيء. . . إلى آخره " لم يفهم ذلك من دلالة " أنْ " وإنما فهم من نسبة قيام السماءِ، والأرض بأمر الله ؛ لأنه يختصُّ بالمستقبل دون الماضي في حقه - تعالى-.
ونظيره :﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الأحزاب: ٥] فكان تدلُّ على اقتران مضمون الجملة بالزمن الماضي، وهو - سبحانه وتعالى - متَّصف بذلك في كل زمان.
قوله " قَولُنَا " مبتدأ، و " أن نقُول " خبره، و " كُنْ فَيكُونُ " :" كُنْ " من " كَانَ " التامة التي بمعنى الحدوث والوجود، أي : إذا أردنا حدوث شيء، فليس إلاَّ أن نقول له احدث فيحدث عقيب ذلك من غير توقفٍ.
وقرأ ابن(٤) عامر، والكسائي " فيكون " بنصب النون، والباقون بالرفع.
قال الفراء : ولقراءة الرفع وجهها : أن يجعل قوله " أن نقُول له " كلاماً تاماً، ثم يخبر عنه بأنه سيكون، كما يقال :" إنَّ زَيْداً يَكْفيهِ إنْ أمِرَ فيَفْعَلُ " برفع قولك " فَيَفْعَلُ " على أن تجعله كلاماً مبتدأ.
وأما وجه القراءة الأولى : فأن تجعله عطفاً على " أن نَقُول " والمعنى : أن نقول كن فيكون. هذا قول الجمهور.
وقال الزجاج :" ويجوز أن يكون نصباً على جواب " كُنْ " ".
ويجاب بأن قوله كُنْ وإن كانت على لفظ الأمر، فليس القصد به ههنا الأمر، إنما هو - والله أعلم - الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإذا كان كذلك بطل قوله : إنه نصب على جواب " كُنْ ".
فإن قيل : قوله " كُنْ " إن كان خطاباً مع المعدوم ؛ فهو محالٌ، وإن كان خطاباً مع الموجود، كان أمراً بتحصيل الحاصل ؛ وهو محالٌ.
فالجواب : أن هذا تمثيل لنفي الكلام والمعاياة وخطاب مع قوم يعقلون ليس هو خطاب المعدوم ؛ ولأن ما أراده فهو كائن على كُلِّ حالٍ، وعلى ما أراده من الإسراعِ، ولو أراد خلق الدنيا، والآخرة بما فيهما من السماوات، والأرض، في قدر لمحِ البصر لقدر على ذلك ؛ ولكن خاطب العباد بما يعقلون.

فصل في دلالة الآية على قدم كلام الله


دلت هذه الآية على قدم القرآن ؛ لأنَّ قوله تعالى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فلو كان قوله حادثاً ؛ لافتقر إحداثه إلى أن يقول له : كن فيكون، وذلك يوجب التسلسل ؛ وهو محال ؛ فثبت أنَّ كلام الله قديمٌ.
قال ابن الخطيب(٥) : وهذا الدليل عندي ليس بالقوي من وجوه :
أحدها : أنَّ كلمة " إذَا " لا تفيد التكرار ؛ لأن الرجل إذا قال لامرأته :" إذا دخَلْتِ الدَّارَ فأنْتِ طالقٌ " فدخلت الدَّار مرة واحدة طلِّقت واحدة، ولو دخلت ثانياً لم تطلَّق طلقة ثانية، فعلمنا أنَّ ذلك لا يفيد التكرار ؛ وإذا كان كذلك ثبت أنَّه لا يلزم من كل ما يحدثه الله تعالى أن يقول له : كن فيكون، فلم يلزم التَّسلسلُ.
وثانيها : أن هذا الدليل إن صح، لزم القول بقدم لفظ " كُنْ " وهذا معلوم البطلان بالضرورة ؛ لأنَّ لفظة " كُنْ " مركبة من الكاف والنُّون، وعند حصول الكاف لم تكن النون حاضرة، وعند مجيء النون تفوت الكاف، وهذا يدلُّ على أنَّ لفظة " كُنْ " يمتنع كونها قديمة، وإنَّما الذي يدعي أصحابنا قدمه صفة [ مغايرة ](٦) للفظ :" كُنْ " فالذي تدل عليه الآية لا يقول به أصحابنا، والذي يقولون به لا تدلُّ عليه الآية ؛ فسقط التمسك به.
ثالثها : أنَّ الرجل إذا قال : إنَّ فلاناً لا يقدم على قولٍ، ولا على فعل، إلا ويستعين فيه بالله كان عاقلاً ؛ لأنا نقول إن استعانته بالله فعل من أفعاله ؛ فيلزم أن يكون كل استعانةٍ مسبوقةٍ باستعانة أخرى إلى غير نهاية ؛ وهذا كلام باطل بحسب العرف ؛ فكذلك ما قالوه.
ورابعها : أنَّ هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه :
الأول : أن قوله تعالى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة ؛ فيكون محدثاً.
الثاني : أنه علق القول بكلمة " إذَا " وهي إنَّما تدخل للاستقبال.
الثالث : أن قوله تعالى :﴿أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ لا خلاف أنَّ ذلك ينبئُ عن الاستقبال.
الرابع : أن قوله " كن فَيكُونُ " كلمة مقدمة على حدوثِ الكونِ بزمان واحدٍ، والمتقدم على المحدث بزمان واحد ؛ يجب أن يكون محدثاً.
الخامس : أنه معارض بقوله تعالى :﴿وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً﴾ [الأحزاب: ٣٧] و ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً﴾ [الأحزاب: ٣٨] و ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث﴾ [الزمر: ٢٣] و ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: ٢٤] و ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إِمَاماً وَرَحْمَةً﴾ [الأحقاف: ١٢] فإن قيل : فهب أنَّ هذه الآية لا تدل على قدم الكلام لكنكم ذكرتم أنَّها تدل على حدوث الكلام، فما الجواب عنه ؟.
قلنا : نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف، والأصوات، ونحن نقول بكونه محدثاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى