مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿بالبينات والزبر﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : ذكروا في الجالب لهذه الباء وجوها : الأول : أن التقدير : وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا يوحى إليهم، وأنكر الفراء ذلك وقال : إن صلة ما قبل إلا لا يتأخر إلى بعد، والدليل عليه : أن المستثنى عنه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته، فما لم يصر هذا المجموع مذكورا بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه. الثاني : أن التقدير : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم بالبينات والزبر، وعلى هذا التقدير أرسلناهم بالبينات وهذا قول الفراء. قال : ونظيره ما مر إلا أخوك بزيد ما مر إلا أخوك ثب يقول مر بزيد. الرابع : أن يقال : الذكر بمعنى العلم، والتقدير فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر إن كنتم لا تعلمون. الخامس : أن يكون التقدير : إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر فاسألوا أهل الذكر.
المسألة الثانية : قوله تعالى :﴿بالبينات والزبر﴾ لفظة جامعة لكل ما تتكامل به الرسالة، لأن مدار أمرها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات وعلى التكاليف التي يبلغها الرسول من الله تعالى إلى العباد وهي الزبر.
ثم قال تعالى :﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ظاهر هذا الكلام يقتضي أن هذا الذكر مفتقر إلى بيان رسول الله والمفتقر إلى البيان مجمل، فظاهر هذا النص يقتضي أن القرآن كله مجمل، فلهذا المعنى قال بعضهم متى وقع التعارض بين القرآن وبين الخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والدليل عليه هذه الآية، والخبر مبين له بدلالة هذه الآية، والمبين مقدم على المجمل.
والجواب : أن القرآن منه محكم، ومنه متشابه، والمحكم يجب كونه مبينا فثبت أن القرآن ليس كله مجملا بل فيه ما يكون مجملا فقوله :﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ محمول على المجملات.
المسألة الثانية : ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون الرسول ﷺ هو المبين لكل ما أنزله الله تعالى على المكلفين، فعند هذا قال نفاة القياس : لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول بيان كل ما أنزله الله تعالى على المكلفين من الأحكام، لاحتمال أن يبين المكلف ذلك الحكم بطريقة القياس، ولما دلت هذه الآية على أن المبين لكل التكاليف والأحكام، هو الرسول ﷺ علمنا أن القياس ليس بحجة.
وأجيب عنه بأنه ﷺ لما بين أن القياس حجة، فمن رجع في تبيين الأحكام والتكاليف إلى القياس، كان ذلك في الحقيقة رجوعا إلى بيان الرسول ﷺ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى