جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى ﴿بِالْبَيّنَاتِ وَالزّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : أرسلنا بالبينات والزّبُر رجالاً نوحي إليهم.
فإن قال قائل : وكيف قيل بالبينات والزّبُر ؟ وما الجالب لهذه الباء في قوله بالبَيّناتِ فإن قلت : جالبها قوله أرْسَلْنَا وَهي من صلته، فهل يجوز أن تكون صلة «ما » قبل «إلاّ » بَعدها ؟ وإن قلت : جالبها غير ذلك، فما هو ؟ وأين الفعل الذي جلبها ؟ قيل : قد اختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعضهم : الباء التي في قوله :«بالبَيّناتِ » من صلة «أرسلنا »، وقال :«إلاّ » في هذا الموضع، ومع الجحد والاستفهام في كلّ موضع بمعنى «غير ». وقال : معنى الكلام : وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر غير رجال نوحي إليهم، ويقول على ذلك : ما ضرب إلاّ أخوك زيدا، وهل كلم إلاّ أخوك عمرا، بمعنى : ما ضرب زيدا غير أخيك، وهل كلم عمرا إلاّ أخوك ؟ ويحتجّ في ذلك بقول أوْس بن حَجَر :
| أبَنِي لبيني لَسْتُمُ بِيَدٍ | إلا يَدٍ لَيْسَتْ لَهَا عَضُدُ |
| ولَيْسَ مُجِيرا إنْ أتَى الحَيّ خائِفٌ | وَلا قائِلاً إلاّ هُوَ المُتَعَيّبا |
| نُبّئْتُهُمْ عَذّبُوا بالنّارِ جارَهُمُ | وَهَلْ يُعَذّبُ إلاّ اللّهُ بالنّارِ |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : بالبَيّناتِ والزّبُرِ قال : الزبر : الكتب.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : بالبَيّناتِ والزّبُرِ قال : الآيات. والزبر : الكتب.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : الزّبُر : الكُتُب.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَالزّبُرِ يعني : بالكتب.
وقوله : وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذّكْرَ يقول : وأنزلنا إليك يا محمد هذا القرآن تذكيرا للناس وعظة لهم. لِتُبَيّنَ للنّاسِ يقول : لتعرفهم ما أنزل إليهم من ذلك. وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ يقول : وليتذكروا فيه ويعتبروا به أي بما أنزلنا إليك. وقد :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : حدثنا الثوري، قال : قال مجاهد : وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ قال : يطيعون.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) قال: الذكر: القرآن، وقرأ (إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وقرأ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ)... الآية.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾
يقول تعالى ذكره: أرسلنا بالبينات والزُّبُر رجالا نوحي إليهم.
فإن قال قائل: وكيف قيل بالبينات والزُّبُر، وما الجالب لهذه الباء في قوله (بِالْبَيِّنَاتِ) فإن قلت: جالبها قوله ((أرْسَلْنَا) وهي من صلته، فهل يجوز أن تكون صلة "ما" قبل "إلا" بعدها؟ وإن قلت: جالبها غير ذلك، فما هو؟ وأين الفعل الذي جلبها، قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعضهم: الباء التي في قوله (بالبَيِّنَاتِ) من صلة أرسلنا، وقال: إلا في هذا الموضع، ومع الجحد والاستفهام في كلّ موضع بمعنى غير، وقال: معنى الكلام: وما أرسلنا من قبلكم بالبينات والزبر غير رجال نوحي إليهم، ويقول على ذلك: ما ضرب إلا أخوك زيدا، وهل كلم إلا أخوك عمرا، بمعنى: ما ضرب زيدا غير أخيك، وهل كلم عمرا إلا أخوك؟ ويحتجّ في ذلك بقول أوْس بن حَجَر:
| أبَنِي لُبَيْنَي لَسْتُمَ بِيَدٍ | إلا يَدٍ لَيْسَتْ لَهَا عَضُدُ (١) |
| يا بُنَيْ لُبَيْنَى لَسْتُمَا بِيَدٍ | إلاَّ يَداً لَيسَتْ لَهَا عَضُدُ |
العضد. والخبل: الفساد، أي أنتما في الضعف وقلة النفع كيد بطل عضدها. أهـ.
وقال الفراء في معاني القرآن (١: ١٧٢) : ورأيت الكسائي يجعل إلا مع الجحد والاستفهام بمنزلة غير... وقال في قوله تعالى: (لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا) لا أجد المعنى إلا: لو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا. واحتج بقول الشاعر:
| أبني لبيني لستم بيد | إلا يد ليست لها عضد |
وقال الشيخ يس العليمي الحمصي في حاشيته على التصريح في هذا الموضع: "أبني لبيني" بصيغة المثنى، بدليل قوله "لستما" أي في رواية صاحب التصريح. وهو منادي حذف منه حرف النداء، وليس في قوله: "إلا يد" وصف الشيء بنفسه، لأن المعتمد بالصفة ليد الأولى صفة يد الثانية و "يد" الثانية صفة موطئة.
| ولَيْسَ مُجِيرًا إنْ أتَى الحَيَّ خائِفٌ | وَلا قائِلا إلا هُوَ المُتَعَيَّبا (١) |
| نُبِّئْتُهُمْ عَذَّبُوا بالنَّارِ جارَهُمُ | وَهَلْ يُعَذِّبُ إلا اللَّهُ بالنَّارِ (١) |
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) قال: الزبر: الكتب.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) قال: الآيات. والزبر: الكتب.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الزُّبُر: الكتب.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (بالزُّبُر) يعني: بالكتب.
وقوله (وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ) يقول: وأنزلنا إليك يا محمد هذا القرآن تذكيرا للناس وعظة لهم، (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ) يقول: لتعرفهم ما أنزل إليهم من ذلك (وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) يقول: وليتذكروا فيه ويعتبروا به أي بما أنزلنا إليك، وقد حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا الثوري، قال: قال مجاهد (وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) قال: يطيعون.