اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ﴾ الآية قرأ الأخوان(١) :" تَرَوْا " بالخطاب جرياً على قوله :" فإنَّ ربّكُمْ ".
والباقون : بالياء جرياً على قوله :﴿أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ﴾ [النحل: ٤٥].
وأما قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير﴾ [الملك: ١٩] فقراءة حمزة أيضاً بالخطاب(٢)، ووافقه ابن عامر فيه ؛ فحصل من مجموع الآيتين : أنَّ حمزة بالخطاب فيهما، والكسائي(٣) بالخطاب في الأولى، والغيبة في الثانية، وابن عامر بالعكس، والباقون : بالغيبة فيهما.
وأما توجيهُ الأولى فقد تقدم، وأما الخطاب في الثانية ؛ فجرياً على قوله تعالى :﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النحل: ٧٨] وأمَّا الغيبة ؛ فجرياً على قوله تعالى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ [النحل: ٧٣] إلى آخره، وأمَّا تفرقة الكسائي، وابن عامرٍ بين الموضعين ؛ فجمعاً بين الاعتبارين، وأنَّ كلاًّ منهما صحيح.
لمَّا خوَّف المشركين بأنواع العذاب المتقدمةِ، أردفه بما يدلُّ على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي، والسفلي ؛ ليظهر لهم أنَّ مع كمال هذه القدرة القاهرة والقوة الغير متناهية، كيف يعجز عن إيصال العذاب إليهم ؟ وهذه الرؤية لما كانت بصرية وصلت ب " إلى " ؛ لأن المراد بها الاعتبارُ، والاعتبار لا يكون بنفس الرؤية، حتى يكون مع النظر إلى الشيء الكامل في أحواله.
قوله :﴿مِن شَيْءٍ﴾ هذا بيان ل " مَا " في قوله :﴿مَا خَلَقَ الله﴾ فإنها موصولة بمعنى الذي.
فإن قيل : كيف يبين الموصول وهو مبهم ب " شيء " وهو مبهم ؛ بل أبهم ممَّا قبله ؟.
فالجواب : أن شيئاً قد اتضح، وظهر بوصفه بالجملة بعده ؛ وهي :" يَتفيَّؤ ظِلالهُ ".
قال الزمخشري : و " مَا " موصولة ب " خَلقَ الله " وهو مبهمٌ ؛ بيانه في قوله ﴿مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ﴾.
وقال ابن عطية(٤) :" مِنْ شيءٍ " لفظ عامٌّ في كل ما اقتضته الصفة من قوله :" يتَفيَّؤُ ظِلالهُ ".
فظاهر هاتين العبارتين : أن جملة " يَتَفيَّؤ ظِلالهُ " صفة ل " شَيءٍ " فأما غيرهما ؛ فإنه قد صرح بعدم كون الجملة صفة ؛ فإنه قال : والمعنى : من كل شيءٍ له ظلٌّ من جبل، وشجر، وبناء، وجسم قائم، وقوله " يَتفيَّؤُ ظِلالهُ " إخبار من قوله " مِنْ شَيءٍ " ليس بوصف له، وهذا الإخبار يدلُّ على ذلك الوصف المحذوف الذي تقديره : هو له ظل. وفيه تكلف لا حاجة إليه، والصفة أبين و " مِنْ شيءٍ " في محل نصبٍ على الحالِ من الموصول، أو متعلق بمحذوف على جهة البيان ؛ أعني : من شيء.
والتَّفَيُّؤ : تَفعُّلٌ من فَاءَ يَفِيءُ، أي : رَجَعَ، و " فاء " : قاصر فإذا أريد تعديته عدِّي بالهمزة كقوله ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] أو بالتضعيف نحو : فَيَّأ الله الظِّلَ فتَفيَّأ، وتَفيَّأ : مطاوع فَيَأ، فهو لازم، ووقع في شعر أبي تمَّامٍ متعدِّياً في قوله :[ الكامل ]
٣٣١٢-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** وتَفَيَّأتْ ظِلاَّلَهَا مَمْدُودَا(٥)
واختلف في الفيء، فقيل : هو مطلق الظل، سواء كان قبل الزوالِ، أو بعده، وهو الموافق لمعنى الآية ههنا.
وقيل : ما كان قبل الزوال فهو ظلٌّ فقط، وما كان بعده فهو ظل وفيءٌ، فالظل أعم. يروى ذلك عن رؤبة بن العجَّاج، وأنكر بعضهم ذلك، وأنشد أبو [ زيد ](٦) للنَّابغة الجعدي :[ الخفيف ]
فأوقع لفظ " الفَيءِ " على ما لم تنسخه الشمس ؛ لأن ظلَّ الجنة ما حصل بعد أن كان زائلاً بسبب ضوء الشمس.
وقيل : بل تختصُّ الظلُّ : بما قبل الزوال، والفيء : بما بعده.
قال الأزهري(٨) : تَفيُّؤ الظِّلال : رُجوعُهَا بعد انتِصَافِ النَّهارِ، فالتفيؤ : لا يكون إلا بالعشيِّ بعدما انصرفت عنه الشمس، والظل ما يكون بالغداةِ، وهو ما لم تنله الشمس ؛ قال الشاعر :[ الطويل ]
وقال امرؤ القيس :[ الطويل ]
وقد خطأ ابن قتيبة الناس في إطلاقهم الفيء على ما قبل الزوال وقال : إنما يطلق على ما بعده ؛ واستدل بالاشتقاق ؛ فإن الفيء هو الرجوع، وهو متحقق بما بعد الزَّوال [ قال : وإنما يطلق على ما بعده(١١) ]، فإن الظل يرجع إلى جهة المشرق بعد الزوال بعد ما نسخته الشمس قبل الزوالِ.
وتقول العربُ في جمع فَيء :" أفْيَاء " للقليل، و " فُيُؤٌ " للكثير ؛ كالبيوت، والعيون، وقرأ أبو عمرو(١٢) " تَتفَيَّؤُ " بالتاء من فوق مراعاة لتأنيث الجمع، وبها قرأ يعقوب، والباقون بالياء لأنه تأنيث مجازي.
وقرأ العامة :" ظِلاله " جمع ظلٍّ، وعيسى بن عمر(١٣) " ظِلَلُه " جمع ظِلَة ؛ ك " غُرْفَة، وغُرَف ".
قال صاحب اللَّوامح في قراءة عيسى " ظِلَلُه " : والظَّلَّة : الغَيْمُ : وهو جسم، وبالكسر : الفيء، وهو عرض فرأى عيسى : أنَّ التفيؤ الذي هو الرجوع بالأجسام أولى منه بالإعراض، وأما في العامة فعلى الاستعارةِ.
قال الواحدي :" ظِلالهُ " أضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال، وإنما حسن هذا ؛ لأنَّ الذي يرجع إليه الضمير، وإن كان واحداً في اللفظ، وهو قوله تعالى ﴿إلى مَا خَلَقَ الله﴾ إلاَّ أنه كثير في المعنى ؛ كقوله تعالى ﴿لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ﴾
[الزخرف: ١٣] فأضاف الظُّهور، وهو جمع إلى ضمير مفرد ؛ لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة في المعنى، وهو قوله تعالى :﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ انتهى.
قوله تعالى :﴿عَنِ اليمين﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يتعلق ب " يَتفيَّؤُ " ومعناها المجاوزة أي : يتجاوز الظلال عن اليمين إلى الشمائل.
الثاني : أنها متعلقة بمحذوف على أنها حال من " ظِلالهُ ".
الثالث : أنها اسم بمعنى جانب، فعلى هذا ينتصب " إلى " على الظرف.
وقوله :﴿عَنِ اليمين والشمآئل﴾ فيه سؤالان :
أحدهما : ما المراد باليمين والشمائل ؟.
والثاني : كيف أفرد الأول، وجمع الثاني ؟.
وأجيب عن الأول بأجوبة :
أحدها : أنَّ اليمين يمين الفلك ؛ وهو المشرق، والشمائل شماله، وهو المغرب، وخصَّ هذان الجانبان ؛ لأنَّ أقوى الإنسان جانباه ؛ وهما يمينه وشماله، وجعل المشرق يميناً ؛ لأن منه تظهر حركة الفلك اليومية.
الثاني : البلدة التي عرضها أقلُّ من الميل تكونُ الشمس صيفاً عن يمين البلد فيقع الظل عن يمينهم.
الثالث : أن المنصوب للعبرة كلُّ جرمٍ له ظلٌّ، كالجبل، والشجر، والذي يترتب فيه الأيمان، والشمائل إنما هو البشر فقط، ولكن ذكر الأيمان، والشمائل، هنا على سبيل الاستعارة.
الرابع : قال الزمخشريُّ(١٤) :﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله﴾ من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها، وشمائلها عن جانبي كل واحد منها وشقَّيه استعارة من يمين الإنسان، وشماله لجانبي الشيء، أي : يرجع من جانب إلى جانب.
وهذا قريب ممَّا قبله، وأجيب عن الثاني بأجوبة :
أحدها : أن الابتداء يقع من اليمين، وهو شيءٌ واحدٌ ؛ فلذلك وحد اليمين، ثم ينتقص شيئاً فشيئاً وحالاً بعد حال، فهو بمعنى الجمع، فصدق على كل حال لفظة الشمائل ؛ فتعدُّد بتعدُّد الحالات، وإلى قريب منه نحا أبو البقاء - رحمه الله-.
والثاني : قال الزمخشريُّ : واليمين بمعنى الأيمان، يعني أنَّه مفرد قائم مقام الجمع، وحينئذ فهما في المعنى جمعاً ؛ كقوله تعالى ﴿وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] أي الأدبار.
الثالث : قال الفراء(١٥) : لأنه إذا وحَّد ذهب إلى واحد من ذوات الظِّلال، وإذا جمع ذهب إلى كلِّها ؛ لأن قوله تعالى ﴿مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ﴾ لفظه واحد، ومعناه الجمع، فعبر عن أحدهما بلفظ الواحد ؛ كقوله تعالى ﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ [الأنعام: ١] وقوله عز وجل :﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧].
الرابع : أنَّا إذا فسَّرنا اليمين بالمشرق ؛ كانت النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها، فكانت اليمين واحدة، وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الظلال بعد وقوعها على الأرض، وهي كثيرة ؛ فلذلك عبَّر عنها بصيغة الجمع.
الخامس : قال الكرمانيُّ :" يحتمل أن يراد بالشمائل الشمال، والخلف، والقُدَّام ؛ لأنَّ الظل يفيء من الجهات كلها، فبدأ باليمين ؛ لأنَّ ابتداء الفيء منها، أو تيمُّناً بذكرها، ثم جمع الباقي على لفظة الشمال ؛ لما بين اليمين، والشمال من التضادِّ، ونزَّل القدَّام والخلف منزلة الشمال ؛ لما بينهما وبين اليمين من الخلاف ".
السادس : قال ابن عطية(١٦) :" وما قال بعض الناس من أنَّ اليمين أول وقعةٍ للظل بعد الزوالِ، ثم الآخر إلى الغروب، هي عن الشمائلِ ؛ ولذلك جمع الشمائل، وأفرد اليمين ؛ فتخليطٌ من القول، ومبطل من جهات ".
وقال ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - :" إذا صليتَ الفجر كان ما بين مطلع الشمس، ومغربها ظلاَّ، ثم بعث الله عليه الشمس دليلاً ؛ فقبض إليه الظِّلَّ ؛ فعلى هذا فأول دورة الشمس فالظلُّ عن يمين مستقبل الجنوب، ثم يبدأ الانحرافُ، فهو عن الشمائل ؛ لأنه حركاتٌ كثيرة، وظلالٌ منقطعة، فهي شمائلُ كثيرة ؛ فكان الظل عن اليمين متصلاً واحداً عامًّا لكل شيءٍ ".
السابع : قال ابن الضائع رحمه الله :" وجمع بالنظر إلى الغايتين ؛ لأنَّ ظل الغداة يضمحلُّ حتى لا يبقى منه إلا اليسيرُ، فكأنه في جهة واحدة، وهي بالعشيِّ - على العكس - لاستيلائه على جميع الجهات، فلحظت الغايتان في الآية، هذا من جهة المعنى، وأما من جهة اللفظ، ففيه مطابقة ؛ لأنَّ " سُجَّداً " جمع، فطابقه جمع الشَّمائل ؛ لاتصاله به ؛ فحصل في الآية مطابقة اللفظ للمعنى، ولحظهما معاً ؛ وتلك الغاية في الإعجاز ".
قوله " سُجَّداً " حال من " ظِلالهُ "، وسُجَّداً جمع ساجدٍ، كشَاهِدٍ وشُهَّد ورَاكِع ورُكَّع.
والسجودُ : الميل، يقال : سَجدتِ النَّخلةُ إذا مالتْ، وسَجدَ البَعيرُ إذَا طَأطَأ رأسه ؛ وقال الشاعر :[ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** تَرَى الأكْمَ فِيهَا سُجَّداً للحَوافرِ(١٧)
فالمراد بهذا السجود التواضعُ.
واعلم أن انتقاص الظلِّ بعد كماله إلى غاية محدودة ثمَّ ازدياده بعد غاية نقصانه، وتنقله من جهة إلى أخرى على وفقِ تدبير الله، وتقديره بحسب الاختلافاتِ اليوميَّة الواقعة في شرق الأرض، وغربها، وبحسب الاختلافات الواقعة في طول السنة على وجه مخصوصٍ، وترتيب معيِّنٍ لا يكون إلا لكونها منقادة لله تعالى خاضعة لتقديره وتدبيره ؛ فكان السجود عبارة عن تلك الحال.
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : اختلاف هذه الظلال معلَّلٌ باختلاف سير الشمس لا لأجل تقدير الله ؟.
فالجوابُ : أنَّا وإن سلمنا ذلك، فمحرك الشمس بالحركة الخاصَّة ليس إلاَّ الله - تعالى - فدل على أنَّ اخ
والباقون : بالياء جرياً على قوله :﴿أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ﴾ [النحل: ٤٥].
وأما قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير﴾ [الملك: ١٩] فقراءة حمزة أيضاً بالخطاب(٢)، ووافقه ابن عامر فيه ؛ فحصل من مجموع الآيتين : أنَّ حمزة بالخطاب فيهما، والكسائي(٣) بالخطاب في الأولى، والغيبة في الثانية، وابن عامر بالعكس، والباقون : بالغيبة فيهما.
وأما توجيهُ الأولى فقد تقدم، وأما الخطاب في الثانية ؛ فجرياً على قوله تعالى :﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النحل: ٧٨] وأمَّا الغيبة ؛ فجرياً على قوله تعالى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ [النحل: ٧٣] إلى آخره، وأمَّا تفرقة الكسائي، وابن عامرٍ بين الموضعين ؛ فجمعاً بين الاعتبارين، وأنَّ كلاًّ منهما صحيح.
فصل
لمَّا خوَّف المشركين بأنواع العذاب المتقدمةِ، أردفه بما يدلُّ على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي، والسفلي ؛ ليظهر لهم أنَّ مع كمال هذه القدرة القاهرة والقوة الغير متناهية، كيف يعجز عن إيصال العذاب إليهم ؟ وهذه الرؤية لما كانت بصرية وصلت ب " إلى " ؛ لأن المراد بها الاعتبارُ، والاعتبار لا يكون بنفس الرؤية، حتى يكون مع النظر إلى الشيء الكامل في أحواله.
قوله :﴿مِن شَيْءٍ﴾ هذا بيان ل " مَا " في قوله :﴿مَا خَلَقَ الله﴾ فإنها موصولة بمعنى الذي.
فإن قيل : كيف يبين الموصول وهو مبهم ب " شيء " وهو مبهم ؛ بل أبهم ممَّا قبله ؟.
فالجواب : أن شيئاً قد اتضح، وظهر بوصفه بالجملة بعده ؛ وهي :" يَتفيَّؤ ظِلالهُ ".
قال الزمخشري : و " مَا " موصولة ب " خَلقَ الله " وهو مبهمٌ ؛ بيانه في قوله ﴿مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ﴾.
وقال ابن عطية(٤) :" مِنْ شيءٍ " لفظ عامٌّ في كل ما اقتضته الصفة من قوله :" يتَفيَّؤُ ظِلالهُ ".
فظاهر هاتين العبارتين : أن جملة " يَتَفيَّؤ ظِلالهُ " صفة ل " شَيءٍ " فأما غيرهما ؛ فإنه قد صرح بعدم كون الجملة صفة ؛ فإنه قال : والمعنى : من كل شيءٍ له ظلٌّ من جبل، وشجر، وبناء، وجسم قائم، وقوله " يَتفيَّؤُ ظِلالهُ " إخبار من قوله " مِنْ شَيءٍ " ليس بوصف له، وهذا الإخبار يدلُّ على ذلك الوصف المحذوف الذي تقديره : هو له ظل. وفيه تكلف لا حاجة إليه، والصفة أبين و " مِنْ شيءٍ " في محل نصبٍ على الحالِ من الموصول، أو متعلق بمحذوف على جهة البيان ؛ أعني : من شيء.
والتَّفَيُّؤ : تَفعُّلٌ من فَاءَ يَفِيءُ، أي : رَجَعَ، و " فاء " : قاصر فإذا أريد تعديته عدِّي بالهمزة كقوله ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] أو بالتضعيف نحو : فَيَّأ الله الظِّلَ فتَفيَّأ، وتَفيَّأ : مطاوع فَيَأ، فهو لازم، ووقع في شعر أبي تمَّامٍ متعدِّياً في قوله :[ الكامل ]
٣٣١٢-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** وتَفَيَّأتْ ظِلاَّلَهَا مَمْدُودَا(٥)
واختلف في الفيء، فقيل : هو مطلق الظل، سواء كان قبل الزوالِ، أو بعده، وهو الموافق لمعنى الآية ههنا.
وقيل : ما كان قبل الزوال فهو ظلٌّ فقط، وما كان بعده فهو ظل وفيءٌ، فالظل أعم. يروى ذلك عن رؤبة بن العجَّاج، وأنكر بعضهم ذلك، وأنشد أبو [ زيد ](٦) للنَّابغة الجعدي :[ الخفيف ]
| ٣٣١٣- فَسلامُ الإلهِ يَغْدُو عَليْهِمْ | وفُيُوءُ الفِرْدَوْسِ ذَاتِ الظِّلالِ(٧) |
وقيل : بل تختصُّ الظلُّ : بما قبل الزوال، والفيء : بما بعده.
قال الأزهري(٨) : تَفيُّؤ الظِّلال : رُجوعُهَا بعد انتِصَافِ النَّهارِ، فالتفيؤ : لا يكون إلا بالعشيِّ بعدما انصرفت عنه الشمس، والظل ما يكون بالغداةِ، وهو ما لم تنله الشمس ؛ قال الشاعر :[ الطويل ]
| فَلا الظِّلُّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعهُ | ولا الفَيءُ مِنْ بَرْدِ العَشيِّ تَذُوقُ(٩) |
| تَيَمَّمتِ العَيْنَ الَّتي عِندَ ضَارجٍ | يَفِيءُ عليْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِ(١٠) |
وتقول العربُ في جمع فَيء :" أفْيَاء " للقليل، و " فُيُؤٌ " للكثير ؛ كالبيوت، والعيون، وقرأ أبو عمرو(١٢) " تَتفَيَّؤُ " بالتاء من فوق مراعاة لتأنيث الجمع، وبها قرأ يعقوب، والباقون بالياء لأنه تأنيث مجازي.
وقرأ العامة :" ظِلاله " جمع ظلٍّ، وعيسى بن عمر(١٣) " ظِلَلُه " جمع ظِلَة ؛ ك " غُرْفَة، وغُرَف ".
قال صاحب اللَّوامح في قراءة عيسى " ظِلَلُه " : والظَّلَّة : الغَيْمُ : وهو جسم، وبالكسر : الفيء، وهو عرض فرأى عيسى : أنَّ التفيؤ الذي هو الرجوع بالأجسام أولى منه بالإعراض، وأما في العامة فعلى الاستعارةِ.
قال الواحدي :" ظِلالهُ " أضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال، وإنما حسن هذا ؛ لأنَّ الذي يرجع إليه الضمير، وإن كان واحداً في اللفظ، وهو قوله تعالى ﴿إلى مَا خَلَقَ الله﴾ إلاَّ أنه كثير في المعنى ؛ كقوله تعالى ﴿لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ﴾
[الزخرف: ١٣] فأضاف الظُّهور، وهو جمع إلى ضمير مفرد ؛ لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة في المعنى، وهو قوله تعالى :﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ انتهى.
قوله تعالى :﴿عَنِ اليمين﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يتعلق ب " يَتفيَّؤُ " ومعناها المجاوزة أي : يتجاوز الظلال عن اليمين إلى الشمائل.
الثاني : أنها متعلقة بمحذوف على أنها حال من " ظِلالهُ ".
الثالث : أنها اسم بمعنى جانب، فعلى هذا ينتصب " إلى " على الظرف.
وقوله :﴿عَنِ اليمين والشمآئل﴾ فيه سؤالان :
أحدهما : ما المراد باليمين والشمائل ؟.
والثاني : كيف أفرد الأول، وجمع الثاني ؟.
وأجيب عن الأول بأجوبة :
أحدها : أنَّ اليمين يمين الفلك ؛ وهو المشرق، والشمائل شماله، وهو المغرب، وخصَّ هذان الجانبان ؛ لأنَّ أقوى الإنسان جانباه ؛ وهما يمينه وشماله، وجعل المشرق يميناً ؛ لأن منه تظهر حركة الفلك اليومية.
الثاني : البلدة التي عرضها أقلُّ من الميل تكونُ الشمس صيفاً عن يمين البلد فيقع الظل عن يمينهم.
الثالث : أن المنصوب للعبرة كلُّ جرمٍ له ظلٌّ، كالجبل، والشجر، والذي يترتب فيه الأيمان، والشمائل إنما هو البشر فقط، ولكن ذكر الأيمان، والشمائل، هنا على سبيل الاستعارة.
الرابع : قال الزمخشريُّ(١٤) :﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله﴾ من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها، وشمائلها عن جانبي كل واحد منها وشقَّيه استعارة من يمين الإنسان، وشماله لجانبي الشيء، أي : يرجع من جانب إلى جانب.
وهذا قريب ممَّا قبله، وأجيب عن الثاني بأجوبة :
أحدها : أن الابتداء يقع من اليمين، وهو شيءٌ واحدٌ ؛ فلذلك وحد اليمين، ثم ينتقص شيئاً فشيئاً وحالاً بعد حال، فهو بمعنى الجمع، فصدق على كل حال لفظة الشمائل ؛ فتعدُّد بتعدُّد الحالات، وإلى قريب منه نحا أبو البقاء - رحمه الله-.
والثاني : قال الزمخشريُّ : واليمين بمعنى الأيمان، يعني أنَّه مفرد قائم مقام الجمع، وحينئذ فهما في المعنى جمعاً ؛ كقوله تعالى ﴿وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] أي الأدبار.
الثالث : قال الفراء(١٥) : لأنه إذا وحَّد ذهب إلى واحد من ذوات الظِّلال، وإذا جمع ذهب إلى كلِّها ؛ لأن قوله تعالى ﴿مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ﴾ لفظه واحد، ومعناه الجمع، فعبر عن أحدهما بلفظ الواحد ؛ كقوله تعالى ﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ [الأنعام: ١] وقوله عز وجل :﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧].
الرابع : أنَّا إذا فسَّرنا اليمين بالمشرق ؛ كانت النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها، فكانت اليمين واحدة، وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الظلال بعد وقوعها على الأرض، وهي كثيرة ؛ فلذلك عبَّر عنها بصيغة الجمع.
الخامس : قال الكرمانيُّ :" يحتمل أن يراد بالشمائل الشمال، والخلف، والقُدَّام ؛ لأنَّ الظل يفيء من الجهات كلها، فبدأ باليمين ؛ لأنَّ ابتداء الفيء منها، أو تيمُّناً بذكرها، ثم جمع الباقي على لفظة الشمال ؛ لما بين اليمين، والشمال من التضادِّ، ونزَّل القدَّام والخلف منزلة الشمال ؛ لما بينهما وبين اليمين من الخلاف ".
السادس : قال ابن عطية(١٦) :" وما قال بعض الناس من أنَّ اليمين أول وقعةٍ للظل بعد الزوالِ، ثم الآخر إلى الغروب، هي عن الشمائلِ ؛ ولذلك جمع الشمائل، وأفرد اليمين ؛ فتخليطٌ من القول، ومبطل من جهات ".
وقال ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - :" إذا صليتَ الفجر كان ما بين مطلع الشمس، ومغربها ظلاَّ، ثم بعث الله عليه الشمس دليلاً ؛ فقبض إليه الظِّلَّ ؛ فعلى هذا فأول دورة الشمس فالظلُّ عن يمين مستقبل الجنوب، ثم يبدأ الانحرافُ، فهو عن الشمائل ؛ لأنه حركاتٌ كثيرة، وظلالٌ منقطعة، فهي شمائلُ كثيرة ؛ فكان الظل عن اليمين متصلاً واحداً عامًّا لكل شيءٍ ".
السابع : قال ابن الضائع رحمه الله :" وجمع بالنظر إلى الغايتين ؛ لأنَّ ظل الغداة يضمحلُّ حتى لا يبقى منه إلا اليسيرُ، فكأنه في جهة واحدة، وهي بالعشيِّ - على العكس - لاستيلائه على جميع الجهات، فلحظت الغايتان في الآية، هذا من جهة المعنى، وأما من جهة اللفظ، ففيه مطابقة ؛ لأنَّ " سُجَّداً " جمع، فطابقه جمع الشَّمائل ؛ لاتصاله به ؛ فحصل في الآية مطابقة اللفظ للمعنى، ولحظهما معاً ؛ وتلك الغاية في الإعجاز ".
قوله " سُجَّداً " حال من " ظِلالهُ "، وسُجَّداً جمع ساجدٍ، كشَاهِدٍ وشُهَّد ورَاكِع ورُكَّع.
والسجودُ : الميل، يقال : سَجدتِ النَّخلةُ إذا مالتْ، وسَجدَ البَعيرُ إذَا طَأطَأ رأسه ؛ وقال الشاعر :[ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** تَرَى الأكْمَ فِيهَا سُجَّداً للحَوافرِ(١٧)
فالمراد بهذا السجود التواضعُ.
واعلم أن انتقاص الظلِّ بعد كماله إلى غاية محدودة ثمَّ ازدياده بعد غاية نقصانه، وتنقله من جهة إلى أخرى على وفقِ تدبير الله، وتقديره بحسب الاختلافاتِ اليوميَّة الواقعة في شرق الأرض، وغربها، وبحسب الاختلافات الواقعة في طول السنة على وجه مخصوصٍ، وترتيب معيِّنٍ لا يكون إلا لكونها منقادة لله تعالى خاضعة لتقديره وتدبيره ؛ فكان السجود عبارة عن تلك الحال.
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : اختلاف هذه الظلال معلَّلٌ باختلاف سير الشمس لا لأجل تقدير الله ؟.
فالجوابُ : أنَّا وإن سلمنا ذلك، فمحرك الشمس بالحركة الخاصَّة ليس إلاَّ الله - تعالى - فدل على أنَّ اخ
١ ينظر: الإتحاف ٢/١٨٤، التيسير ١٣٧، والحجة للفارسي ٥/٦٦ القرطبي ١٠/٧٤ والبحر ٥/٤٨٠، والدر المصون ٤/٣٢٩، وإعراب القراءات ١/٣٥٤..
٢ ينظر: النشر ٢/٣٠٤ والحجة للفارسي ٥/٦٧، وإعراب القراءات ١/٣٥٤، والدر المصون ٤/٣٢٩..
٣ ينظر: الدر المصون ٤/٣٢٩..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٣/٣٩٧..
٥ عجز بيت وصدره: "طلبت ربيع ربيعة الممهى لها" ويروى الشطر الثاني: "فوردن ظل ربيعة الممدودا". ينظر: ديوانه ص ٨٠، الدر اللقيط ٥/٤٩٦، البحر المحيط ٥/٤٨٠، روح المعاني ١٤/١٥٣، الدر المصون ٤/٣٣٠..
٦ في ب: ذؤيب..
٧ ينظر: ديوانه ٢٣١، وروح المعاني ٧/١٥٤، اللسان (ظلل) والرازي ٢٠/٣٤..
٨ ينظر: تهذيب اللغة ١٥/ ٥٧٧..
٩ البيت لحميد بن ثور، ينظر: ديوانه (٤٠)، البحر المحيط ٥/٤٨١، التهذيب ٥/٥٧٨ (فاء)، الصحاح ١/٦٣، اللسان (فيا)، فصيح ثعلب ٩٥، المفضليات ١٨٧، إصلاح المنطق ٣٢٠، شواهد المغني للبغدادي ٣/٢٥٢، روح المعاني ١٤/١٥٣، الدر المصون ٤/٣٣٠..
١٠ ينظر: ديوانه (١٦٢)، الشعر والشعراء ١/١١٢، اللسان والتاج والصحاح (عرمض)، البحر المحيط ٥/٤٨١، المحرر الوجيز ٣/٦٦٩ الألوسي ١٤/١٥٣، الدر المصون ٤/٣٣٠..
١١ زيادة من: أ..
١٢ ينظر: السبعة ٣٠٣، والحجة ٣٩١، والإتحاف ٢/١٨٥، والبحر ٥/٤٨٠، والقرطبي ١٠/٧٤، والدر المصون ٤/٣٣٠..
١٣ المحتسب ٢/١٠، والبحر ٥/٤٨٠، والدر المصون ٤/٣٣٠..
١٤ ينظر: الكشاف ٢/٦٠٩..
١٥ ينظر: معاني القرآن للفراء ٢/١٠٢..
١٦ ينظر: المحرر الوجيز ٣/٣٩٨..
١٧ تقدم برقم: ٣٧٨..
٢ ينظر: النشر ٢/٣٠٤ والحجة للفارسي ٥/٦٧، وإعراب القراءات ١/٣٥٤، والدر المصون ٤/٣٢٩..
٣ ينظر: الدر المصون ٤/٣٢٩..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٣/٣٩٧..
٥ عجز بيت وصدره: "طلبت ربيع ربيعة الممهى لها" ويروى الشطر الثاني: "فوردن ظل ربيعة الممدودا". ينظر: ديوانه ص ٨٠، الدر اللقيط ٥/٤٩٦، البحر المحيط ٥/٤٨٠، روح المعاني ١٤/١٥٣، الدر المصون ٤/٣٣٠..
٦ في ب: ذؤيب..
٧ ينظر: ديوانه ٢٣١، وروح المعاني ٧/١٥٤، اللسان (ظلل) والرازي ٢٠/٣٤..
٨ ينظر: تهذيب اللغة ١٥/ ٥٧٧..
٩ البيت لحميد بن ثور، ينظر: ديوانه (٤٠)، البحر المحيط ٥/٤٨١، التهذيب ٥/٥٧٨ (فاء)، الصحاح ١/٦٣، اللسان (فيا)، فصيح ثعلب ٩٥، المفضليات ١٨٧، إصلاح المنطق ٣٢٠، شواهد المغني للبغدادي ٣/٢٥٢، روح المعاني ١٤/١٥٣، الدر المصون ٤/٣٣٠..
١٠ ينظر: ديوانه (١٦٢)، الشعر والشعراء ١/١١٢، اللسان والتاج والصحاح (عرمض)، البحر المحيط ٥/٤٨١، المحرر الوجيز ٣/٦٦٩ الألوسي ١٤/١٥٣، الدر المصون ٤/٣٣٠..
١١ زيادة من: أ..
١٢ ينظر: السبعة ٣٠٣، والحجة ٣٩١، والإتحاف ٢/١٨٥، والبحر ٥/٤٨٠، والقرطبي ١٠/٧٤، والدر المصون ٤/٣٣٠..
١٣ المحتسب ٢/١٠، والبحر ٥/٤٨٠، والدر المصون ٤/٣٣٠..
١٤ ينظر: الكشاف ٢/٦٠٩..
١٥ ينظر: معاني القرآن للفراء ٢/١٠٢..
١٦ ينظر: المحرر الوجيز ٣/٣٩٨..
١٧ تقدم برقم: ٣٧٨..