البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
لما حكى الله تعالى عن الكفار عظيم ما ارتكبوه من الكفر ونسبة التولد له، بيَّن تعالى أنه يمهلهم ولا يعاجلهم بالعقوبة إظهاراً لفضله ورحمته.
ويؤاخذ : مضارع آخذ، والظاهر أنه بمعنى المجرد الذي هو أخذه.
وقال ابن عطية : كان أحد المؤاخذين يأخذ من الآخر، إما بمعصية كما هي في حق الله تعالى، أو بإذاية في جهة المخلوقين، فيأخذ الآخر من الأول بالمعاقبة والجزاء انتهى.
والظاهر : عموم الناس.
وقيل : أهل مكة، والباء في بظلمهم للسبب.
وظلمهم كفرهم ومعاصيهم.
والضمير في عليها عائد على غير مذكور، ودل على أنه الأرض قوله : من دابة، لأن الدبيب من الناس لا يكون إلا في الأرض، فهو كقوله :﴿فأثرن به نقعاً﴾ أي بالمكان لأن ﴿والعاديات﴾ معلوم أنها لا تعدو إلا في مكان، وكذلك الإثارة والنقع.
والظاهر عموم من دابة فيهلك الصالح بالطالح، فكان يهلك جميع ما يدب على الأرض حتى الجعلان في جحرها قاله : ابن مسعود.
قال قتادة : وقد فعل تعالى في زمن نوح عليه السلام.
وقال السدي ومقاتل : إذا قحط المطر لم تبق دابة إلا هلكت.
وسمع أبو هريرة رجلاً يقول : إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال : بلى والله حتى أن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم.
وهذا نظير :﴿واتقوا فتنة﴾ الآية والحديث «أنهلك وفينا الصالحون » وقال ابن السائب، واختاره الزجاج : من دابة من الإنس والجن.
وقال ابن جريج : من الناس خاصة.
وقالت فرقة منهم ابن عباس : من دابة من مشرك يدب عليها، ولكن يؤخرهم إلى أجل الآية، تقدّم تفسير ما يشبهه في الأعراف.
وما في ما يكرهون لمن يعقل، أريد بها النوع كقوله :﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى