غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿لا جرم﴾، في المد مثل :﴿لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]. ﴿مفرطون﴾، بكسر الراء المشددة : يزيد. ﴿مفرطون﴾، بكسر الراء المخففة : نافع وقتيبة. الباقون : بفتحها مخففة. ﴿نسقيكم﴾، بفتح النون : نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد. الآخرون بضمها.
الوقوف :﴿مسمى﴾، ج للظرف مع الفاء، ﴿ولا يستقدمون﴾ ٥ ﴿الحسنى﴾ ط ﴿وقيل علي﴾ " لا " ثم يبدأ بجرم وهو تكلف. ﴿مفرطون﴾ ٥ ﴿أليم﴾ ٥ ﴿فيه﴾ لا للعطف على موضع ﴿لتبين﴾، تقديره : إلا تبياناً وهدى. ﴿يؤمنون﴾ ٥ ﴿موتها﴾ ط ﴿يسمعون﴾ ٥ ﴿لعبرة﴾ ط ؛ لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف ﴿للشاربين﴾ ٥ ﴿حسناً﴾ ط ﴿يعقلون﴾ ٥ ﴿يعرشون﴾ ٥ ج للعطف ﴿ذللاً﴾ ط للعدول ﴿للناس﴾ ط ﴿يتفكرون﴾ ٥ ﴿شيئاً﴾ ط ﴿قدير﴾ ٥.
التفسير : لما حكى عن القوم عظيم كفرهم، وفظيع قولهم، بين غاية كرمه، وسعة رحمته، حيث إنه لا يعاجلهم بالعقوبة، فقال :﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم﴾ الآية. فزعم بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء، أنه أضاف الظلم إلى ضمير الناس، والأنبياء من جملة الناس، فوجب أن يكونوا ظالمين عاصين، ويؤكد هذا قوله :﴿ما ترك عليها من دابة﴾، فإنه لو لم يصدر من الأنبياء ذنب، لم يكن لإفنائهم وجه، وحينئذ لم يصدق أنه لم يبق على الأرض واحد. والجواب : لا نسلم عموم الناس في الآية ؛ لقوله سبحانه في موضع آخر :﴿فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات﴾ [لقمان: ٣٢]، ولا ريب أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين، فإذن المراد بالناس : إما كل العصاة الذين استحقوا العقاب، أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين. وأما قوله :﴿من دابة﴾ : فعن ابن عباس أنه أراد من مشرك يدب عليها، نظيره قوله :﴿إن شر الدواب عند الله الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٥٥]، ولو سلم أن المراد بها : كل من يدب عليها، فلعل الهلاك في حق الظلمة يكون عذاباً، وفي غيرهم امتحاناً، فقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام. وأيضاً من المعلوم أنه لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العذاب، فلو أهلكوا لبطل نسلهم، لأدى إلى إفناء الناس، بل الدواب كلها ؛ لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم. عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول : إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال : بلى والله، حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم. وعن ابن مسعود : كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم. وقيل : لو يؤاخذهم لانقطع القطر، وفي انقطاعه انقطاع النبت، وفي انقطاع النبت فناء الدواب. قالت المعتزلة : في الآية دلالة على أن الظلم والمعاصي ليست من أفعال الله تعالى، وإلا لم يؤاخذهم بها فرضاً، ولم يضف الظلم إليهم ولم يذمهم على ذلك. وفي قوله :﴿بظلمهم﴾، دليل على أن الظلم هو المؤثر في العقاب، فإن الباء للعلية. وجواب الأشاعرة معلوم، وهو أنه لا يسأل عما يفعل، وأيضاً المعارضة بالعلم والدواعي، ووجوب انتهاء الكل إليه. قال بعض الأصوليين : الأصل في المضار الحرمة ؛ لأن الضرر لا يجوز أن يكون مشروعاً ابتداء بالإجماع، ولقوله تعالى :﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، [الحج: ٧٨] ﴿يريد الله بكم اليسر﴾[البقرة: ١٨٥]، ولقوله ﷺ :" لا ضرر ولا ضرار " في الإسلام " ملعون من ضر مسلماً "، ولا أن يكون مشروعاً على وجه يكون جزاء عن جرم سابق بهذه الآية ؛ لأن كلمة " لو " وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره. فالآية تقتضي : أنه تعالى ما آخذ الناس بظلمهم، وأنه ترك على ظهرها دابة، كما هو المشاهد إذا ثبت هذا الأصل، فنقول : إذا وقعت حادثة مشتملة على المضار، فإن وجدنا نصاً على كونها مشروعة قضينا به، تقديماً للخاص على العام، وإلا قضينا عليها بالحرمة، بناء على هذا الأصل. ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون الضرر مشروعاً على وجه يقع جزاء عن جرم سابق ؟ والآية لا تنافي ذلك ؛ لأنها لا تدل إلا على أنه سبحانه لا يؤاخذ بكل ظلم. أما على أنه لا يؤاخذ ببعض أنواع الظلم فلا، دليلة قوله :﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى: ٣٠]، ومنهم من قال : بناء على القاعدة المذكورة، إن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعاً في حقه ؛ لأن المنع منه ضرر، والضرر غير مشروع، وكل ما يكرهه الإنسان لزم أن يكون محرماً ؛ لأن وجوده ضرر وأنه غير مشروع. فالذي يتمسك به في إثبات الأحكام من القياس، إما أن يكون على وفق هذه القاعدة، أو على خلافها، والأول باطل ؛ لأن هذا الأصل يغني عنه، وكذا الثاني ؛ لأن النص راجح على القياس. ولقائل أن يقول : توارد الأدلة على المدلول الواحد غير ممتنع. أما قوله :﴿ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى﴾، فعن ابن عباس في رواية عطاء، أنه يريد أجل القيامة ؛ لأن معظم العذاب يوافيهم يومئذ. وقيل : أراد منتهى العمر ؛ لأن المشركين يؤاخذون بالذنوب إذا خرجوا من الدنيا، وباقي الآية قد مر تفسيرها في أوائل سورة الأعراف. واعلم أنه سبحانه قال في هذه السورة :﴿ما ترك عليها من دابة﴾، وفي سورة الملائكة :﴿ما ترك على ظهرها﴾ [فاطر: ٤٥]، فالهاء كناية عن الأرض، ولم يتقدم ذكرها ههنا، والعرب تجوّز ذلك في كلمات ؛ لحصولها بين يدي كل متكلم وسامع، منها : الأرض والسماء :" فلان أفضل من عليها، وأكرم من تحتها "، ومنها الغداة " إنها اليوم لباردة ". ومنها الأصابع يقول :" والذي شقهن خمساً من واحدة " يعني الأصابع من اليد. وإنما لم يذكر الظهر في هذه السورة ؛ لئلا يلتبس بظهر الدابة، فكثيراً ما يستعمل الظهر بمعنى الدابة، بخلاف سورة " الملائكة "، فإنه قد تقدم ذكر الأرض في قوله :﴿أو لم يسيروا في الأرض﴾ [ الآية : ٤٤ ] وفي قوله :
﴿ولا في الأرض﴾ [ الآية : ٤٤ ]، فلم يكن ملتبساً. ويمكن أن يقال : لما قال ههنا :﴿بظلمهم﴾، لم يقل :﴿على ظهرها﴾، وحين قال هنالك :﴿بما كسبوا﴾، قال :﴿على ظهرها﴾، احترازاً عن الجمع بين الظاءين ؛ لأنها تقل في الكلام، وليست لأمة من الأمم سوى العرب، فلم يجمع بينهما في شرطية واحدة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿ولو يؤاخذ الله﴾، النفوس الناسية، ﴿بما ظلمت﴾، على القلوب والأرواح، ﴿ما ترك على﴾ أرض البشرية صفة من صفات الحيوانية. ولكن يؤخر أهل السعادة إلى أجلهم، وهو : إفناء صفات النفس بصفات القلب والروح في حينه وأوانه، ويؤخر أهل الشقاء إلى أوان العكس من ذلك. ﴿ويجعلون لله ما يكرهون﴾، أي : يعاملون الله بأعمال يكرهون أن يعاملهم بها غيرهم، وتسوّل لهم أنفسهم أن تلك المعاملة حسنة. والله أنزل من سماء العزة ماء بيان القرآن، فأحيا به أرض قلوب الأمم بعد موتها باختلافهم على أنبيائهم، ﴿إن في ذلك لآية لقوم يسمعون﴾ كلام الله من الله، ﴿وإن لكم في الأنعام﴾، النفوس، ﴿لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث﴾، الخاطر الشيطاني، ﴿ودم﴾ الخاطر النفساني، ﴿لبناً خالصاً﴾، من الإلهام الرباني، ﴿سائغاً للشاربين﴾، جائزاً لأهل هذا الشرب، ﴿ومن ثمرات﴾ نخيل الطاعات وأعناب المجاهدات، ﴿تتخذون منه سكراً﴾، هو : ما يجعل منها شرب النفس، فتسكر النفس فتارة تميل عن الحق والصراط المستقيم ميلان السكران، وتارة تظهر رعوناتها بالأفعال والأحوال رياء وسمعة وشهوة.
والرزق الحسن ما يكون منه شرب القلب والروح، فيزداد منه الشوق والمحبة والصدق والطلب :
﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾، إشارة إلى حال السالك السائر، ﴿أن اتخذي من الجبال بيوتاً﴾، أراد الاعتزال عن الخلق والتبتل إلى الله. كان رسول الله ﷺ يتحنث في غار حراء أسبوعاً وأسبوعين وشهراً، ولابد أن يتنظف كما أن النحل يحترز عن التلوث. وفيه أن نحل الأرواح اتخذت من جبال النفوس بيوتاً، ومن شجر القلوب، ومما يعرشون من الأسرار، ﴿ثم كلي من الثمرات فاسلكي سبل ربك﴾، نظير قوله :﴿كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾ [المؤمنون: ٥١]، فثمرات البدن : الأعمال الصالحات. وثمرات النفوس : الرياضيات، ومخالفات الهوى. وثمرات القلوب : ترك الدنيا، والتوجه إلى المولى. وثمرات الأسرار : شواهد الحق، والتطلع على الغيوب، والتقرب إلى الله. وهذه كلها أغذية نحل الأرواح، فإنها بقوّة هذه الأغذية تسلك السبل إلى أن تصل إلى المقعد الصدق عند مليكها، فيكون غذاؤها مكاشفات الحق ومشاهداته، فتبيت عند ربها يطعمها ويسقيها، فحينئذ يخرج من بطونها شراب الحكم والمواعظ، مختلف الألوان من المعاني والأسرار والدقائق والحقائق، ﴿فيه شفاء﴾، للقلوب الناسية القاسية عن ذكر الله، ﴿والله خلقكم﴾، أخرجكم من العدم إلى الوجود، ﴿ثم يتوفاكم﴾، عن الوجود المجازي، ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾، وهو : مقام الفناء في الله، ﴿لكيلا يعلم﴾، بعد فناء علمه شيئاً يعلمه، بل يعلم بربه الأشياء كما هي، والله أعلم بالصواب.
القراءات :﴿لا جرم﴾، في المد مثل :﴿لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]. ﴿مفرطون﴾، بكسر الراء المشددة : يزيد. ﴿مفرطون﴾، بكسر الراء المخففة : نافع وقتيبة. الباقون : بفتحها مخففة. ﴿نسقيكم﴾، بفتح النون : نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد. الآخرون بضمها.
الوقوف :﴿مسمى﴾، ج للظرف مع الفاء، ﴿ولا يستقدمون﴾ ٥ ﴿الحسنى﴾ ط ﴿وقيل علي﴾ " لا " ثم يبدأ بجرم وهو تكلف. ﴿مفرطون﴾ ٥ ﴿أليم﴾ ٥ ﴿فيه﴾ لا للعطف على موضع ﴿لتبين﴾، تقديره : إلا تبياناً وهدى. ﴿يؤمنون﴾ ٥ ﴿موتها﴾ ط ﴿يسمعون﴾ ٥ ﴿لعبرة﴾ ط ؛ لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف ﴿للشاربين﴾ ٥ ﴿حسناً﴾ ط ﴿يعقلون﴾ ٥ ﴿يعرشون﴾ ٥ ج للعطف ﴿ذللاً﴾ ط للعدول ﴿للناس﴾ ط ﴿يتفكرون﴾ ٥ ﴿شيئاً﴾ ط ﴿قدير﴾ ٥.
الوقوف :﴿مسمى﴾، ج للظرف مع الفاء، ﴿ولا يستقدمون﴾ ٥ ﴿الحسنى﴾ ط ﴿وقيل علي﴾ " لا " ثم يبدأ بجرم وهو تكلف. ﴿مفرطون﴾ ٥ ﴿أليم﴾ ٥ ﴿فيه﴾ لا للعطف على موضع ﴿لتبين﴾، تقديره : إلا تبياناً وهدى. ﴿يؤمنون﴾ ٥ ﴿موتها﴾ ط ﴿يسمعون﴾ ٥ ﴿لعبرة﴾ ط ؛ لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف ﴿للشاربين﴾ ٥ ﴿حسناً﴾ ط ﴿يعقلون﴾ ٥ ﴿يعرشون﴾ ٥ ج للعطف ﴿ذللاً﴾ ط للعدول ﴿للناس﴾ ط ﴿يتفكرون﴾ ٥ ﴿شيئاً﴾ ط ﴿قدير﴾ ٥.
التفسير : لما حكى عن القوم عظيم كفرهم، وفظيع قولهم، بين غاية كرمه، وسعة رحمته، حيث إنه لا يعاجلهم بالعقوبة، فقال :﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم﴾ الآية. فزعم بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء، أنه أضاف الظلم إلى ضمير الناس، والأنبياء من جملة الناس، فوجب أن يكونوا ظالمين عاصين، ويؤكد هذا قوله :﴿ما ترك عليها من دابة﴾، فإنه لو لم يصدر من الأنبياء ذنب، لم يكن لإفنائهم وجه، وحينئذ لم يصدق أنه لم يبق على الأرض واحد. والجواب : لا نسلم عموم الناس في الآية ؛ لقوله سبحانه في موضع آخر :﴿فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات﴾ [لقمان: ٣٢]، ولا ريب أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين، فإذن المراد بالناس : إما كل العصاة الذين استحقوا العقاب، أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين. وأما قوله :﴿من دابة﴾ : فعن ابن عباس أنه أراد من مشرك يدب عليها، نظيره قوله :﴿إن شر الدواب عند الله الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٥٥]، ولو سلم أن المراد بها : كل من يدب عليها، فلعل الهلاك في حق الظلمة يكون عذاباً، وفي غيرهم امتحاناً، فقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام. وأيضاً من المعلوم أنه لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العذاب، فلو أهلكوا لبطل نسلهم، لأدى إلى إفناء الناس، بل الدواب كلها ؛ لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم. عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول : إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال : بلى والله، حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم. وعن ابن مسعود : كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم. وقيل : لو يؤاخذهم لانقطع القطر، وفي انقطاعه انقطاع النبت، وفي انقطاع النبت فناء الدواب. قالت المعتزلة : في الآية دلالة على أن الظلم والمعاصي ليست من أفعال الله تعالى، وإلا لم يؤاخذهم بها فرضاً، ولم يضف الظلم إليهم ولم يذمهم على ذلك. وفي قوله :﴿بظلمهم﴾، دليل على أن الظلم هو المؤثر في العقاب، فإن الباء للعلية. وجواب الأشاعرة معلوم، وهو أنه لا يسأل عما يفعل، وأيضاً المعارضة بالعلم والدواعي، ووجوب انتهاء الكل إليه. قال بعض الأصوليين : الأصل في المضار الحرمة ؛ لأن الضرر لا يجوز أن يكون مشروعاً ابتداء بالإجماع، ولقوله تعالى :﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، [الحج: ٧٨] ﴿يريد الله بكم اليسر﴾[البقرة: ١٨٥]، ولقوله ﷺ :" لا ضرر ولا ضرار " في الإسلام " ملعون من ضر مسلماً "، ولا أن يكون مشروعاً على وجه يكون جزاء عن جرم سابق بهذه الآية ؛ لأن كلمة " لو " وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره. فالآية تقتضي : أنه تعالى ما آخذ الناس بظلمهم، وأنه ترك على ظهرها دابة، كما هو المشاهد إذا ثبت هذا الأصل، فنقول : إذا وقعت حادثة مشتملة على المضار، فإن وجدنا نصاً على كونها مشروعة قضينا به، تقديماً للخاص على العام، وإلا قضينا عليها بالحرمة، بناء على هذا الأصل. ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون الضرر مشروعاً على وجه يقع جزاء عن جرم سابق ؟ والآية لا تنافي ذلك ؛ لأنها لا تدل إلا على أنه سبحانه لا يؤاخذ بكل ظلم. أما على أنه لا يؤاخذ ببعض أنواع الظلم فلا، دليلة قوله :﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى: ٣٠]، ومنهم من قال : بناء على القاعدة المذكورة، إن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعاً في حقه ؛ لأن المنع منه ضرر، والضرر غير مشروع، وكل ما يكرهه الإنسان لزم أن يكون محرماً ؛ لأن وجوده ضرر وأنه غير مشروع. فالذي يتمسك به في إثبات الأحكام من القياس، إما أن يكون على وفق هذه القاعدة، أو على خلافها، والأول باطل ؛ لأن هذا الأصل يغني عنه، وكذا الثاني ؛ لأن النص راجح على القياس. ولقائل أن يقول : توارد الأدلة على المدلول الواحد غير ممتنع. أما قوله :﴿ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى﴾، فعن ابن عباس في رواية عطاء، أنه يريد أجل القيامة ؛ لأن معظم العذاب يوافيهم يومئذ. وقيل : أراد منتهى العمر ؛ لأن المشركين يؤاخذون بالذنوب إذا خرجوا من الدنيا، وباقي الآية قد مر تفسيرها في أوائل سورة الأعراف. واعلم أنه سبحانه قال في هذه السورة :﴿ما ترك عليها من دابة﴾، وفي سورة الملائكة :﴿ما ترك على ظهرها﴾ [فاطر: ٤٥]، فالهاء كناية عن الأرض، ولم يتقدم ذكرها ههنا، والعرب تجوّز ذلك في كلمات ؛ لحصولها بين يدي كل متكلم وسامع، منها : الأرض والسماء :" فلان أفضل من عليها، وأكرم من تحتها "، ومنها الغداة " إنها اليوم لباردة ". ومنها الأصابع يقول :" والذي شقهن خمساً من واحدة " يعني الأصابع من اليد. وإنما لم يذكر الظهر في هذه السورة ؛ لئلا يلتبس بظهر الدابة، فكثيراً ما يستعمل الظهر بمعنى الدابة، بخلاف سورة " الملائكة "، فإنه قد تقدم ذكر الأرض في قوله :﴿أو لم يسيروا في الأرض﴾ [ الآية : ٤٤ ] وفي قوله :
﴿ولا في الأرض﴾ [ الآية : ٤٤ ]، فلم يكن ملتبساً. ويمكن أن يقال : لما قال ههنا :﴿بظلمهم﴾، لم يقل :﴿على ظهرها﴾، وحين قال هنالك :﴿بما كسبوا﴾، قال :﴿على ظهرها﴾، احترازاً عن الجمع بين الظاءين ؛ لأنها تقل في الكلام، وليست لأمة من الأمم سوى العرب، فلم يجمع بينهما في شرطية واحدة.
والرزق الحسن ما يكون منه شرب القلب والروح، فيزداد منه الشوق والمحبة والصدق والطلب :
| شربت الحب كأساً بعد كأس | فما نفد الشراب وما رويت |
القراءات :﴿لا جرم﴾، في المد مثل :﴿لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]. ﴿مفرطون﴾، بكسر الراء المشددة : يزيد. ﴿مفرطون﴾، بكسر الراء المخففة : نافع وقتيبة. الباقون : بفتحها مخففة. ﴿نسقيكم﴾، بفتح النون : نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد. الآخرون بضمها.
الوقوف :﴿مسمى﴾، ج للظرف مع الفاء، ﴿ولا يستقدمون﴾ ٥ ﴿الحسنى﴾ ط ﴿وقيل علي﴾ " لا " ثم يبدأ بجرم وهو تكلف. ﴿مفرطون﴾ ٥ ﴿أليم﴾ ٥ ﴿فيه﴾ لا للعطف على موضع ﴿لتبين﴾، تقديره : إلا تبياناً وهدى. ﴿يؤمنون﴾ ٥ ﴿موتها﴾ ط ﴿يسمعون﴾ ٥ ﴿لعبرة﴾ ط ؛ لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف ﴿للشاربين﴾ ٥ ﴿حسناً﴾ ط ﴿يعقلون﴾ ٥ ﴿يعرشون﴾ ٥ ج للعطف ﴿ذللاً﴾ ط للعدول ﴿للناس﴾ ط ﴿يتفكرون﴾ ٥ ﴿شيئاً﴾ ط ﴿قدير﴾ ٥.