المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله :﴿ولو يؤاخذ الله الناس﴾ الآية، وآخذ هو تفاعل من أخذ، كأن أحد المتواخذين يأخذ من الآخر، إما بمعصية، كما هي في حق الله تعالى، أو بإذاية في جهة المخلوقين، فيأخذ الآخر من الأول بالمعاقبة والجزاء، وهي لغتان واخذ وآخذ، و ﴿يؤاخذ﴾ يصح أن يكون من آخذ، وأما كونها من واخذ فبين، والضمير في ﴿عليها﴾ عائد على الأرض، وتمكن ذلك مع أنه لم يجر لها ذكر لشهرتها، وتمكن الإشارة لها كما قال لبيد في الشمس :
حتى إذا ألقت يداً في كافر. . . وأجنَّ عورات البلاد ظلامُها(١)
ومنه قول تعالى :﴿حتى توارت بالحجاب﴾(٢) [ص: ٣٢]، ولم يجر للشمس ذكر، وقوله :﴿من دابة﴾، دخلت ﴿من﴾ ؛ لاستغراق الجنس، وظاهر الآية أن الله تعالى أخبر أنه لو أخذ الناس بعقاب يستحقونه بظلمهم، في كفرهم ومعاصيهم، لكان ذلك العقاب يهلك منه جميع ما يدب على الأرض من حيوان، فكأنه بالقحوط أو بأمر يصيبهم من الله تعالى، وعلى هذا التأويل قال بعض العلماء : كاد الجُعَل(٣) أن يهلك بذنوب بني آدم، ذكره الطبري، وروي عن النبي ﷺ أنه قال :«إن الله تعالى ليهزل الحوت في الماء والطير في الهواء بذنوب العصاة »(٤)، وسمع أبو هريرة رجلاً يقول : إن الظالم لا يهلك إلا نفسه، فقال أبو هريرة : بلى إن الله ليهلك الحبارى في وكرها هزالاً(٥) بذنوب الظلمة، وقد نطقت الشريعة في أخبارها بأن الله تعالى أهلك الأمم بريها وعاصيها بذنوب العصاة منهم، وقالت فرقة : قوله :﴿من دابة﴾، يريد من أولئك الظلمة فقط، ويدل على هذا التخصيص، أن الله لا يعاقب أحداً بذنب أحد، واحتج بقول الله تعالى :﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾(٦) [الأنعام: ١٦٤]، وهذا معنى آخر، وذلك أن الله تعالى لا يجعل العقوبة تقصد أحداً بسبب إِذْنَاب غيره، ولكن إذا أرسل عذاباً على أمة عاصية، لم يمكن البري التخليص من ذلك العذاب، فأصابه العذاب، لا بأنه له مجازاة، ونحو هذا قوله :
﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾(٧) [الأنفال: ٢٥]، وقيل للنبي ﷺ : أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال «نعم إذا كثر الخبث »(٨)، ثم لا بد من تعلق ظلم ما بالأبرياء، وذلك بترك التغير ومداهنة أهل الظلم، ومداومة جوارهم، و «الأجل المسمى » في هذه الآية هو بحسب شخص شخص، وفي معنى الآية مع أمائرها اختصار وإيجاز.
١ هذا البيت من معلقة لبيد، ومعنى "ألقت يدا في كافر" بدأت في المغيب، والكافر هو الليل، وذلك لأنه يكفر كل شيء، أي يغطيه ويستره، وأجن: ستر، وفي الديوان: "عورات الثغور" بدلا من "البلاد"، والثغور: جمع ثغر و هو الموضع الذي تأتي المخافة منه: لأنه على الحدود مع الأعداء..
٢ من الآية (٣٢) من سورة (ص). ومثل هذه الآية وبيت لبيد في رجوع الضمير إلى غير مذكور قول حاتم الطائي:
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
إذ يعني بقوله: "حشرجت و ضاق بها" النفس، ولم يجر لها ذكر قبل..

٣ الجعل: حيوان كالخنفساء يكثر في المواضع الندية وقد نقل الطبري هذا الكلام عن أبي الأحوص..
٤ لم نعثر على هذا الحديث فيما بين أيدينا من مراجع..
٥ أخرجه عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، والبيهقي في الشعب. (الدر المنثور)..
٦ من الآية (١٦٤) من سورة (الأنعام)..
٧ من الآية (٢٥) من سورة (الأنفال)..
٨ أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، ومالك في الموطأ، والإمام أحمد ( ٦ ـ ٤٢٨، ٤٢٩)، ولفظه كما رواه البخاري في الفتن: (عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة، عن زينب ابنة جحش رضي الله عنهن أنها قالت: استيقظ النبي ﷺ من النوم محمرا وجهه يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج، مثل هذه ـ وعقد سفيان تسعين أو مائة ـ قيل : أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى