مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
النوع الثالث : من الأقاويل الفاسدة التي كان يذكرها الكفار وحكاها الله تعالى عنهم، قوله :﴿ويجعلون لله ما يكرهون﴾.
واعلم أن المراد من قوله :﴿ويجعلون﴾ أي البنات التي يكرهونها لأنفسهم، ومعنى قوله :﴿يجعلون﴾ يصفون الله بذلك ويحكمون به له كقوله جعلت زيدا على الناس أي حكمت بهذا الحكم وذكرنا معنى الجعل عند قوله :﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة﴾.
ثم قال تعالى :﴿وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى﴾ قال الفراء والزجاج : موضع « أن » نصب لأن قوله :﴿أن لهم الحسنى﴾ بدل من الكذب، وتقدير الكلام وتصف ألسنتهم أن لهم الحسنى. وفي تفسير ﴿الحسنى﴾ ههنا قولان : الأول : المراد منه البنون، يعني أنهم قالوا لله البنات ولنا البنون. والثاني : أنهم مع قولهم بإثبات البنات لله تعالى، يصفون أنفسهم بأنهم فازوا برضوان الله تعالى بسبب هذا القول، وأنهم على الدين الحق والمذهب الحسن. الثالث : أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله تعالى.
فإن قيل : كيف يحكمون بذلك وهم كانوا منكرين للقيامة ؟
قلنا : كلهم ما كانوا منكرين للقيامة، فقد قيل : إنه كان في العرب جمع يقرون بالبعث والقيامة، ولذلك فإنهم كانوا يربطون البعير النفيس على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ويقولون : إن ذلك الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه، وأيضا فبتقدير أنهم كانوا منكرين للقيامة فلعلهم قالوا : إن كان محمد صادقا في قوله بالبعث والنشور فإنه يحصل لنا الجنة والثواب بسبب هذا الدين الحق الذي نحن عليه، ومن الناس من قال : الأولى أن يحمل ﴿الحسنى﴾ على هذا الوجه بدليل أنه تعالى قال بعده :﴿لا جرم أن لهم النار﴾ فرد عليهم قولهم وأثبت لهم النار، فدل هذا على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة. قال الزجاج : لا رد لقولهم، والمعنى ليس الأمر كما وصفوا جرم فعلهم أي كسب ذلك القول لهم النار، فعلى هذا لفظ « أن » في محل النصب بوقوع الكسب عليه. وقال قطرب ( أن ) في موضع رفع، والمعنى : وجب أن لهم النار وكيف كان الإعراب فالمعنى هو أنه يحق لهم النار ويجب ويثبت. وقوله :﴿وأنهم مفرطون﴾ قرأ نافع وقتيبة عن الكسائي :﴿مفرطون﴾ بكسر الراء، والباقون :﴿مفرطون﴾ بفتح الراء. أما قراءة نافع فقال الفراء : المعنى أنهم كانوا مفرطين على أنفسهم في الذنوب، وقيل : أفرطوا في الافتراء على الله تعالى، وقال أبو علي الفارسي : كأنه من أفرط، أي صار ذا فرط مثل أجرب، أي صار ذا جرب والمعنى : أنهم ذوو فرط إلى النار كأنهم قد أرسلوا من يهيئ لهم مواضع فيها. وأما قراءة قوله :﴿مفرطون﴾ بفتح الراء ففيه قولان :
القول الأول : المعنى : أنهم متروكون في النار. قال الكسائي : يقال ما أفرطت من القوم أحدا، أي ما تركت. وقال الفراء : تقول العرب أفرطت منهم ناسا، أي خلفتهم وأنسيتهم.
والقول الثاني :﴿مفرطون﴾ أي معجلون. قال الواحدي رحمه الله : وهو الاختيار ووجهه ما قال أبو زيد وغيره : فرط الرجل أصحابه يفرطهم فرطا وفروطا إذا تقدمهم إلى الماء ليصلح الدلاء والأرسان، وأفرط القوم الفارط، وفرطوه إذا قدموه فمعنى قوله :﴿مفرطون﴾ على هذا التقدير : كأنهم قدموا إلى النار فهم فيها فرط للذين يدخلون بعدهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى